بلغت تكاليف «فيلم 1453» 8 ملايين دولار أميركي وهي الأعلى في تاريخ السينما التركية. تبدأ مشاهد الفيلم في المدينة المنورة أيام الرسول حيث يظهر الصحابي أبو أيوب الأنصاري وهو يتلو حديث النبي «لَتُفْتَحَنَّ الْقُسْطَنْطِينِيَّةُ فَلَنِعْمَ الْأَمِيرُ أَمِيرُهَا وَلَنِعْمَ الْجَيْشُ ذَلِكَ الْجَيْشُ». الهدف من المشهد إبراز السلطان في علاقة روحية مع الصحابي الذي شارك في الحصار الإسلامي للمدينة عام 674 وتوفي ودفن خارج أسوارها. ويضع ذكر الحديث السلطان محمد الثاني في خطى الفاتحين المسلمين، فتتحول الحرب من توسعية سياسية إلى دينية. ويبرز السلطان بصورة الحاكم الطموح الذي يريد فتح القسطنطينية رغم تشاؤم مستشاريه. ويبقى على «إيمانه» فيبدأ الزحف البري والبحري نحو المدينة المنشودة. وتطول المعارك في الفيلم الذي يزخر بمشاهد الدم، وقوة الجنود في دك الأسوار، وتسقط المدينة، ويبدأ عصر جديد يبرز فيه «الفاتح» بصورة المحرر من طغيان إمبراطور وطبقة سياسية فاسدة.

هكذا ولأغراض سياسية، جرى تزوير وتبسيط واقع تاريخي معقد. فسقوط القسطنطينية هو نتيجة تقاطع عوامل عدة لا تظهر في الفيلم. فالإمبراطورية البيزنطية كانت من أبرز القوى السياسية والعسكرية والاقتصادية والفكرية والفنية في العالم لمدة 10 قرون. لكن رقعتها الجغرافية انحسرت مع الفتح الإسلامي وأتت الحروب المتتابعة مع السلاجقة لتضعفها، ثم ذاقت الإمبراطورية الأمرّين مع الصليبيين الذين أحرقوها ونهبوها عام 1204. وعندما وصل آل عثمان كانت عاصمة البيزنطيين تعيش تدهوراً عسكرياً واقتصادياً كبيراً، لدرجة أنّ إمبراطورها كان يسكن قصراً صغيراً لعدم قدرته على الإنفاق في القصر الكبير.
وكانت حرب البيزنطيين وآل عثمان واقعة لا محالة، ومن دون أسباب دينية. ولم يكن بإمكان إمارة العثمانيين أن تتوسع إلاّ بسقوط القسطنطينية، وهذا ما أدركه البيزنطيون، فطلبوا المساعدة من الغرب الكاثوليكي. وعندما اشترط البابا الوحدة مع الكنيسة الكاثوليكية، قبل الإمبراطور البيزنطي، ما أغضب سكان مدينته الأرثوذكس منذ أربعة قرون، وبدأت أعمال الشغب، حتى إنّ بعض النبلاء فضل التقرب من العثمانيين.
أما المساعدات الأوروبية العسكرية، فكانت هزلية مقارنة بخطورة الوضع، وبدأ الحصار وتصادم 7000 جندي بيزنطي مع 80 ألف جندي عثماني. واستطاع البيزنطيون ردّ الهجمات من وراء أسوار المدينة الضخمة وقطعوا الطريق على السفن العثمانية بواسطة سلسلة حديدية تصل طرفي المضيق. لكن العثمانيين استخدموا المدافع لدك الأسوار، ثم نقلوا المراكب بالبر لتفادي السلسلة الحديدية. فأحكم الحصار. ودخل جيش الفاتح يوم 29 أيار 1453 المدينة فقتل الإمبراطور وبدأ النهب.
يتضمن الفيلم عدة مغالطات تاريخية، أبرزها تلك التي تصور البلاط البيزنطي بنمط عيش وملابس رومانية تتناسب مع واقع القرن الأول الميلادي، لا واقع عام 1453! أما القصر وميدان سباق الخيل، فاختارهما المخرج ليكونا المبنيين الأساسيين في المدينة، مع أنهما كانا مدمرين عام 1453. والمشهد الأخير الذي يمثل دخول السلطان المدينة وإعطاءه الأوامر بدفن الإمبراطور البيزنطي بحسب طقوس الكنيسة، فهو فبركة سينمائية؛ لأنّ مصير جثة قسطنطين الحادي عشر لا يزال مجهولاً. أما تسامح السلطان مع أعيان الإمبراطور البيزنطيين فقصير المدى، لأنّهم أُعدموا في الأيام التي تلت الفتح. والشعب الذي التجأ إلى كنيسة آيا صوفيا لم يلتق بالسلطان ليهلل له كما يبرز الفيلم، بل ألقى الجنود القبض عليهم من أجل الفدية ثم أقام السلطان الصلاة في الكنيسة وحولها إلى جامع، تخليداً لإنجازه!
يظهر الفيلم موجة الانفتاح على الموروث العثماني التي تعيشها تركيا منذ فترة وتبرز رسالة الفيلم بتحليل فتح القسطنطينة لأنها رمز للفساد. وهذا أمر خطير، فهذه الحضارة خلفت روائع فكرية دينية وفنية لا مثيل لها في العالم، وأقل ما يقال عنها ما يتلى في الجناز البيزنطي «فليكن ذكرها مؤبداً».
* أستاذ تاريخ في معهد القديس
يوسف ــــ عينطورة.