في عام 1988، عرض فيلم «التجربة الأخيرة للمسيح» للمخرج مارتن سكورسيزي في صالات السينما الأميركية، بعدما كانت الكنيسة وأبناؤها المؤمنون يرفضون عرض الفيلم ويطالبون بتدميره. يومها، نظّمت التظاهرات المعارضة للفيلم، وانهالت مئات آلاف الرسائل على شركة الإنتاج. بقي الضغط مستمراً لشهور، لكنه لم يتحوّل الى عمليات شغب دموية كما هي الحال اليوم مع المعترضين على الفيلم المسيء إلى النبي محمد.


فهل يكمن الفرق في أهمية الفيلم السينمائية؟ أم في تصوير الديانة بغير ما ترويه هي عن نفسها؟ أم بسبب تسليم المسيحيين في الغرب بأن العروض الفنية تعدّ تعبيراً عن الرأي، لا يحق للدين أن يتدخل فيه؟ أو غيرها من الاحتمالات؟ بالتأكيد لا يكمن الفرق في المؤمنين من أبناء الديانتين. ففي الطرفين المسيحي والإسلامي، تبقى حرارة الإيمان محرّكاً نفسياً وشعورياً أقوى من الفكر، وإن عملت السلطات الدينية على تأجيج هذه المشاعر أو تهدئتها.
من المعروف أن ردّات فعل الشعور والحضارات لا تكون عادة وليدة الزمن الحالي، بل الماضي القريب أو البعيد. وكلما كانت الدروس في الماضي قاسية، أتت ردّات الفعل أقلّ عنفاً. فالتطور الزمني يصقل الحضارات، ويملي عليها تصرفات جديدة. وهذا ما توصلت إليه المسيحية والحضارة الغربية، بعد قرون من الصراع بين الشعوب والدين على السلطة. فالكنسية سنة 1435 (وهي السنة الهجرية الحالية) لم تكن مؤسسة لطيفة أبداً. بل كانت تبطش بيد من حديد بكلّ عالم يحاول أن يناقش أفكارها العلمية، لا اللاهوتية! وكان الحكم بالمحرقة (وهم أحياء يرزقون ) ينفذ بكلّ من يفكر بأن يناقض مقرّرات محاكم التفتيش الدينية، فتعتبره ساحراً، أو مهرطقاً. وكانت الكنيسة الكاثوليكية الأوسع انتشاراً في أوروبا، وكانت تشارك الملوك السلطة والحكم، فالبابا يتوّجهم أو يحرمهم!
لاحقاً، بدأ الانشقاق في داخل الكنيسة، ليعطيها درساً بأن رجال الدين قد يرفضون التعاليم ويخرجون عن السلطة، وتتبعهم الشعوب. بدأ الأمر مع الكنيسة البروتستانتية من ألمانيا، (وانتشر في أوروبا)، التي كانت تهدّد سلطة الكنيسة الكاثوليكية. استدركت الأخيرة الأمر، وبدأت سلسلة واسعة من الإصلاح الديني، دعمها الملوك سياسياً بعمليات التطهير الطائفي، وخصوصاً في فرنسا، أثمرت عن مجازر عدة.
على الرغم من سيلان الدم هذا، كانت أوروبا تعيش مخاضاً فكرياً وإنسانياً عسيراً. أدخلها مفكّروها في عصر النهضة، مطالبين بالتنوّر والتفكير والتحليل ووضع الفرد في خضمّ الحياة. وأتى اختراع الطباعة لينشر أفكار الفلاسفة المطالبة بفصل الدين عن الدولة. (ويمكن تشبيه طباعة الأمس بالإنترنت اليوم. فالاثنان يزوّدان الفرد بالمعلومات بطريقة سريعة، ولا تتبع لمراقبة السلطات الدائمة). تأقلمت الكنيسة مع التغييرات الفكرية والفلسفية، وحاولت أن تجاريها، لكنها بقيت تمسك بزمام السلطة مع الملوك. فأتت الثورات المتتالية (البريطانية، الأميركية والفرنسية) لتطيحها، بعدما أقرّت بفصل الدين عن الدولة. في فرنسا، وضعت «الدولة» يدها على ممتلكات الكنيسة، وبات للشعب سلطة حقيقية بعيدة عن سلطة الله. صار الزواج مدنياً، والميراث مدنياً، والدفن مدنياً... وبدأت المطالبة بحرية الرأي والتعبير، وبحرية الانتقاد، والتفكير. وبما أن سلطة الكنيسة محصورة في أراضيها وكنائسها وأديرتها، لم يكن يحق لها أن تطالب بسلطة من خارجها. وبقي دورها أولاً وآخراً دينياً. لذا، حينما يطال الانتقاد رجال الدين، أو الدين بحد ذاته، تصدر الكنيسة مذكرات ترشد المؤمنين إلى مقاطعة هذا المنتج. وتبقى ردات الفعل في هذا الاطار، لأن الدين المسيحي فهم بأن الطريقة الوحيدة لإبقاء علاقة مع الشعوب العلمانية، هي بالتوجه إليهم بالفكر والعقل. فلم تعد المشاعر المتأججة لغة للحوار في المجتمعات الغربية، ومن هنا ربما، نشعر بعدم قدرة شعوب الغرب على فهم ردات الفعل القوية على كلّ استفزاز لهم.



في المقابل، تبدو ردات الفعل هذه مقبولة ومرحب بها في المجتمعات الشرقية، بما أنّ أساسها ديني وليس سياسياً. تماماً كما كانت تفعل الكنيسة من قبل، يمكن إشعال حروب باسم الدين على خلفيات سياسية مبطنة.بناءً على هذا التاريخ، قد يعتبر البعض أن عمليات الاحتجاج العنيفة مبرّرة إذا ما قوربت تاريخياً من مبدأ تطور الحضارات. فالإسلام في عامه الـ 1435 للهجرة، يعيش ردّات الفعل ذاتها التي عرفتها الكنيسة عندما كانت في العمر ذاته. ولكن هذا تحليل لا يأخذ بعين الاعتبار ما يعرف بـ«نقاط الالتقاء بين الشعوب»، الذي عادة ما يثمر عن تزاوج يغيّر في بناء المجتمعات ويدفع بالحضارة الى الأمام، إذ لا تعرف كل الحضارات المجرى التاريخي نفسه إن أرادت أن تتطور وتتغير بحسب ما تعيشه وما تتعلمه. فالإسلام الذي منع فيه السلطان العثماني الفقه لـ 400 سنة، بدأ يخسر أكبر فلاسفته، وهو مبدأ تفسير الدين وتحليله... ولا تزال سلطة رجال الدين فيه غير محدودة. كما يرفض الإسلام اعتبار مساره التاريخي شبيهاً بمسار الكنيسة (رغم التقارب بينهما). لذلك بدل أن يغيّر في مساره، ويدخل المؤمنين به عصر النهضة الفكرية التي تدفع الشعوب الى الأمام، فتبتعد عن الحروب الدينية وردات الفعل العنيفة، يحافظ الإسلام على المشاعر الدينية التي تشبه فتيل الديناميت، ما إن يشتعل حتى تفلت السلطة عليه. لكن إلى متى؟