تأبى قمم جرود الهرمل الخضراء إلا أن تقحم رؤوسها في غيوم الصباح المتراصة، لتطل بعدها بثروتها الحرجية وأشجار لزّابها على قرى القضاء المترامية عند نهاية تخوم سفحها. الطبيعة والتاريخ أغدقا على الهرمل ثروة مائية عذبة ضخمة، وطبيعة سياحية ساحرة بصخور نحتتها السنون، ومواقع أثرية خلّفتها حضارات تاريخية شتى. كل هذا التنوّع، مثّل عناصر جذب للأهالي، فارتفعت على مدى السنوات الماضية الكثافة السكانية، ومعها وتيرة الحركة العمرانية والاقتصادية والاجتماعية، لكن «على نحو عشوائي وغير منظّم»، وخصوصاً في مدينة الهرمل. عشوائيات في المباني السكنية والمؤسسات السياحية والتجارية، وفي تنفيذ شبكات الطرق الرئيسية منها والفرعية، إضافة إلى التعدّيات التي تطاول الطبيعة والمواقع السياحية والأثرية.


المجلس البلدي في مدينة الهرمل، وتحت وطأة هذه المشكلة المتنامية، وجد أنّ من الضروري العمل على تحديث المخطط التوجيهي للمدينة، الصادر عن التنظيم المدني في عام 1994، بغية «إنماء المدينة والحفاظ على بيئتنا وتراثنا وجمالية منطقتنا التي تندثر يوماً بعد يوم»، كما يقول صبحي صقر رئيس بلدية الهرمل لـ«الأخبار». يشير صقر إلى أن الحاجة النهضوية، والمتغيّرات على مختلف المستويات التربوية والاقتصادية والبنيوية، كانت بمثابة الحافز لإعادة تفعيل المخطط التوجيهي، الذي لم يستكمل سابقاً، والعمل مع التنظيم المدني وسائر الإدارات المعنية من أجل «التأسيس لمرحلة مستقبلية تتمثل في المخطط الذي يقونن النهوض لمختلف القطاعات، وعلى فترات زمنية تراوح بين سنتين كحد أدنى و15 سنة كحد أقصى».
اجتماعات ولقاءات ومتابعة حثيثة، من جانب بلدية الهرمل والفريق المكلف إعداد التصميم التوجيهي العام، والنائب نوار الساحلي، مع التنظيم المدني والإدارات المعنية، تواصلت على مدى سنة وأربعة أشهر. واتّسم «العمل المكثف» الذي انطلق في شباط من العام المنصرم، وانتهى في أيار الماضي، «بالدقة المتناهية»، كما يؤكد علي الجوهري، المهندس المسّاح في مشروع المخطط التوجيهي. يوضح الجوهري أن المشروع «بدأ بخطوة تجميع الصورة العقارية للمدينة، ليتبع ذلك تحديد نطاق عقاري لها، وإعداد وشراء صورة جوية من مكتب هندسي متخصص ومعايرة للمساحة»، فيما تمثلت الخطوة الثانية في العمل على رسم «داتا طبيعية»، بما فيها من أنهار وسواقٍ ومواقع أثرية وسياحية، وأخرى «غير طبيعية»، كالأبنية السكنية والمدارس والمستشفيات والحدائق، والعمل ضمن المشروع على «تطوير عملية التصنيف العلمي لمناطق في الهرمل، واستحداث مناطق أخرى مع مراعاة الإضافات والرسوم اللازمة». ويضيف «قبل أيام من صدور المخطط عن التنظيم المدني في نهاية أيار المنصرم، أضيفت منشآت إلى المخطط بهدف صدوره بأدق وأحدث الإضافات من دون أخطاء».
واللافت أن غالبية بلديات بعلبك ـــــ الهرمل، وحتى المناطق اللبنانية، الكبيرة منها والصغيرة تعمل في ظل عدم وجود مخططات توجيهية ترسم لها نطاقاتها العقارية وتصنفها، الأمر الذي ينعكس تضارباً في المشاريع المتتالية زمنياً، وبالتالي هدراً مالياً ضخماً. الدكتور فضل الله العميري، الاستشاري في التنظيم المدني والمشرف على المخطط التوجيهي في الهرمل، الذي وضع خبرته الهندسية ـــــ الاغترابية (مهندس معماري وتنظيم مدني في ألمانيا على مدى أكثر من أربعة عقود)، في خدمة مدينته الهرمل التي عاد إليها أخيراً، رأى في حديث لـ«الأخبار» أن المخطط التوجيهي بمثابة «شريان الحياة لكل المجتمعات، ولا يمكن اعتباره مرتبطاً بالاستثمار فقط، بل هو مشروع إنماء لسائر القطاعات على اختلافها، وحتى الطبيعية منها»، منتقداً المشاريع البلدية التي تقدم عليها البلديات على نحو عشوائي ولا تنتج منها سوى خسائر مالية كبيرة. ويقدّم مثلاً مدخل الهرمل، الذي يظهر واجهة المدينة كأنها عبارة عن منطقة صناعية.
وبما أن المشروع يقتضي تحديث المخطط التوجيهي السابق، فقد وجد العميري بعد الاطلاع عليه أنه «صفر وما دون الصفر»، لأنه يقتصر على «عنوان للجمهورية اللبنانية والوزارات المعنية وبعض شبكات الطرق والمواصلات الجامدة وغير الفعالة». ما يلفت في الهرمل، وعلى الرغم من «التنوّع الاستثنائي» في الطبيعة الجيولوجية والمناخية والثروة المائية والحرجية، فضلاً عن العائلات، «الإهمال وعدم الاكتراث من قبل الدولة بالإحصائيات الاجتماعية والديموغرافية والبنيوية، في ظل نمو غير طبيعي وعدم وجود مصانع ومعامل للإنتاج»، موضحاً أن الكثافة السكانية في المدينة بلغت 13,5 %، وإلى جانبها كثافة في البناء، في الوقت الذي يراوح فيه المعدل الطبيعي للكثافة السكانية بين 3 و3,5% كحد أقصى كما هو متفق عليه.
لذلك، كان لا بد من الانطلاق من «النقطة الصفر»، وإعداد إحصائيات وصور عقارية وجوية حديثة، مع خلق مناطق جديدة بطرق منتظمة، منها السياحي والزراعي والصناعي والجيولوجي والأثري، «وحتى مناطق طبيعية يمنع البناء ضمن قطر معين فيها لوجود ينابيع نهر العاصي، من دون إغفال خلق مناطق سياحة بيئية في وادي العاصي للاستثمار بأكواخ من طين وقش ومصاطب وما شابه وذلك بموجب تراخيص» يقول العميري.
يبدي الرجل تفاؤله في التنفيذ، ويأمل الالتزام بالمخطط «الاستراتيجي» الذي وضع، ليس للبلدية الحالية، وإنما «لنا ولأبنائنا»، بغية الحفاظ على ماهية المدينة الطبيعية، والمساعدة في الإنماء الحرفي واليدوي وحتى المصانع البسيطة الموجودة فيها، على أن يكون المخطط «نقطة انطلاق من الهرمل تجاه بلديات محافظة بعلبك ـــــ الهرمل».
أنجز المخطط التوجيهي في مدينة الهرمل، وسجّلت لها الريادة في ذلك على البلديات الأخرى في المنطقة، (بلدية بعلبك شارفت على إنهائه)، ليبقى السؤال: «هل سيجري التقيّد بالمخطط وتنفيذه؟». رئيس البلدية صبحي صقر لم يخف قلقه من الأمر «في ظل غياب العنصر الرقابي الفاعل من الدولة وأجهزتها ذات العلاقة المباشرة بتطبيق القوانين»، لكنه شدد في المقابل على أن «البلدية ستقوم بدورها على أكمل وجه ويداً بيد مع أهلها وفعالياتها وهيئات مجتمعها المدني، بهدف النهوض والحفاظ على مدينتنا بأهلها وطبيعتها وتراثها وتاريخها».




سياحة بيئية وأثرية

تزخر الهرمل بمواقع ومعالم أثرية وتاريخية عديدة. فمن قاموع الهرمل، حارس المدينة ومنارة القوافل، إلى «دير مار مارون» و«قصر البنات» اللذين يتموضعان عند منبع نهر العاصي، و«قناة زنوبيا»، و«كنيسة بريصا» البيزنطية، ولوحتيها المتواجهتين المنقوش عليهما باللغة السومرية والملك نبوخذ نصر، فضلاً عن «طاحونة العميرية» التاريخية في المدينة. وإلى جانب المعالم الأثرية ثمة ما انفردت به الهرمل، وبات يمثّل ملاذاً لمحبي الطبيعة والسياحة البيئية، إذ انتصبت في جرودها منازل الطين والحجر، المسقوفة بنبات «الكبكوب»، والمحاطة بأشجار اللزاب والشوح، مع وجبات غذائية بيئية. وما بين كل ذلك يبقى نهر العاصي ومؤسساته السياحية التي يفوق عددها الخمسين وتمثّل مصدر رزق لعشرات العائلات.