هل ولّى زمن الخسائر الزراعية؟ ربما بات بالإمكان طرح هذا السؤال، إذا ما أخذنا في الاعتبار التحوّل الذي يمكن أن يشهده القطاع الزراعي مع انتشار مشروع «الزراعة الحافظة». ولو طبّق هذا المشروع، الذي باشرت به مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية في تل عمارة العام الماضي، على نطاقٍ واسع، لتحولت الزراعة من عبء وخسارة تسببها الأكلاف المرتفعة وغياب الدعم والأسواق التصريفية إلى أرباح أو اكتفاء... في أسوأ الأحوال.

كيف؟ العام الماضي، بدأت الفكرة. كان المطلوب تقديم الدعم والمساعدة للمزارعين بأية طريقة، فكانت التجربة التي قامت بها مصلحة الأبحاث العلمية الزراعية تحت عنوان «الزراعة الحافظة»، أو «الزراعة من دون حراثة مسبقة».
شفيق أسطفان، رئيس فرع الزراعات المتسعة في مصلحة الأبحاث العلمية والزراعية، يشرح، في حديث مع «الأخبار»، حيثيات هذا المشروع الذي «يمثّل نقلة نوعية من حيث التقنية الزراعية»، إذ يهدف إلى «خفض ساعات العمل والعمال المستخدمين في تمهيد الأرض وفي الحد من استهلاك المحروقات والحد من المدخلات الكيماوية وتلوث الهواء، ليثمر بعدها المشروع إنتاجاً ودخلاً زراعياً وفيراً»، يقول.
ينتقل أسطفان من الهدف إلى تعريف الزراعة الحافظة بأنها «زراعة بواسطة آلات متخصصة موجودة لدى المصلحة، وآلية العمل بهذه الزراعة تبدأ من امتناع المزارعين عن حرق مخلفات المحاصيل بعد الحصاد أو حرث الأرض». أما السبب، «فليبق الغطاء النباتي كما هو». يكمل الشرح، قائلاً إنه «عند الشروع بالزراعة التالية تستخدم زرّاعات خاصة تغرس البذور مباشر في التربة، التي لا تخسر بدورها المياه الموجودة فيها نتيجة أشعة الشمس، مع وضع حد لعمليات التسميد والتعرية للتربة التي تحافظ عندها على الكائنات الدقيقة الموجودة فيها (الدودة)، فضلاً عن عدم السماح بتبرعم الأعشاب الضارة، وتحوّل بقايا المحصول القديم إلى مادة عضوية طبيعية»، يقول الرجل.
مطلع العام الحالي، بدأت المصلحة بتعميم هذه الزراعة على المزارعين، بعد النجاح السابق في عدة أراض بقاعية، وخصوصاً الزراعات الشتوية المطرية من قمح وشعير. وفي هذا الإطار، يشير أسطفان إلى أن نجاح التجربة دفع مزارعين متخصصين في مشاريع القاع ودير الأحمر وغربي بعلبك والبقاعين الأوسط والغربي إلى الاعتماد على هذه الزراعة للموسم الحالي، «وسيجري التعرف بها أكثر من خلال المشاهدات الحقلية لدى المزارعين، حيث ستتوافر المعلومات الكافية لسائر المزارعين من خلال التجربة». لكن صحيح أن مشروع الزراعة الحافظة يُعَدّ تجربة ريادية في لبنان، إلا أنه بحسب دراسة أعدتها مصلحة الأبحاث العلمية والزراعية «فهي تمارس منذ سنوات في نحو 98 مليون هكتار من الأراضي الزراعية في العالم، وحتى في دول الجوار كالأردن وسوريا». ويرى أسطفان أن دراسة اقتصادية أنجزت عن مدى قدرة المشروع على خفض الأكلاف والأعباء عن المزارعين، فتبين أن «الزراعة الحافظة للمياه في التربة توفر على المزارع أكلاف حراثة الأرض وتحضيرها، وخفضاً في المحروقات الخاصة بالري، وتساعد في زيادة المادة العضوية في التربة التي تسهم في تخفيف الفاقد المائي وتعطي زيادة ملحوظة في الإنتاج». وبحسب أسطفان، بلغت «كلفة إنتاج المحاصيل الحقلية من دون حراثة أقل من 150$ في الهكتار (عشرة دونمات)، كفارق عن النظام الزراعي التقليدي».
وفي كل الأحوال، يبدو أن «الزراعة الحافظة»، رغم نجاحها لجهة خفض العديد من الأكلاف وزيادة الإنتاج، لا تخلو من مشكلة أساسية مرتبطة «بحاجة الأرض إلى مبيدات للأعشاب، من أجل مكافحة الأعشاب التي تظهر حتماً وإبادتها بالرش». وقد كشف أسطفان أن الزراعة الحافظة «لا تحظر استخدام المدخلات الكيماوية؛ فمبيدات الأعشاب تُعَدّ عنصراً مهماً في الزراعة الحافظة، وخاصة في المرحلة الانتقالية من زراعة إلى أخرى، وحتى تحقيق توازن جديد في كثافة الأعشاب». لكن، في المقابل «وبالنظر إلى أهمية حيوية التربة في هذا النظام، فإن الكيماويات الزراعية بما فيها تلك الأسمدة تستخدم بعناية شديدة وبكميات محدودة جداً وفق معايير محددة»، على أن «تنخفض كثيراً مع مرور السنوات، لأن هذه الزراعة تقتضي اتباع دورة زراعية ومنهجية جديدة في مكافحة الأعشاب والتعامل مع الآفات وطائفة من المهارات الأخرى التي سيكتسبها المزارعون مع الوقت»، يقول أسطفان.