128 مليون دولار أميركي تُقتطع سنوياً من الصندوق البلدي المستقل لتسديد «أتعاب» شركتي «سوكلين» و«سوكومي»، بدل جمع النفايات ومعالجتها. قيمة سنوية تدفعها البلديات التي تستفيد من خدمات «س ـ س»، من خلال حصّتها في الصندوق. أي ما يعادل 40% من تلك الحصة. «مقطوعة» باهظة تدفعها مجموعة من بلديات بيروت الكبرى وجبل لبنان. وهي باهظة أصلاً، مقارنة بما تقوم به شركات أخرى تمارس الأعمال نفسها. ولعل الدليل على ذلك قرار مجلس الوزراء الرقم 3 ، الصادر أواخر عام 2010، الذي كلف بموجبه مجلس الإنماء والإعمار إعداد تقرير يبيّن تحليل أسعار العقود القائمة مع الشركتين، ومقارنتها بتلك المعتمدة لدى شركات تقوم بأعمال مماثلة في لبنان، إذ بيّنت تلك المقارنة الفارق في الأسعار بين الشركتين والشركات الأخرى. فعلى سبيل المثال كلفة جمع طن النفايات في زحلة وفقاً لحسابات سوكلين تبلغ 22 دولاراً أميركياً، مقابل 18 دولاراً أميركياً لصالح شركة أخرى. إلى ذلك، يضاف اقتصار عمل الشركتين على بيروت الكبرى وجبل لبنان. ما يعني التخلص من نصف حجم النفايات: 2200 طن يومياً من أصل 4200.

ولئن كان ما تقوم به الشركتان مريحاً بالنسبة إلى بعض البلديات، وخصوصاً لناحية تخلّصها من مهمة شاقة، إلا أنها قد تكلفها خسائر لن تقل في أحسن الأحوال عن 40% من حصتها. لهذا السبب، ولد مشروع إدارة النفايات الصلبة في وزارة الدولة لشؤون التنمية الإدارية، بتمويل من الاتحاد الأوروبي منذ عام 2004، الذي «يناضل»، بحسب المسؤولين عنه، لتشجيع البلديات على القيام بجمع ومعالجة أزمة نفاياتها من دون «ديون». فمتى كانت البداية؟
أواخر عام 2003، أنهى مشروع دعم الدولة اللبنانية في مجال التنمية الإدارية «آرلا»، المموّل من الاتحاد الأوروبي، برامج يفترض أنها تعمل على تنمية القدرات في الدولة. يومها، أقفل البرنامج على 24 مليون يورو أميركي، بفائض 14 مليون يورو. كان من المفترض أن ترجع تلك الـ«14» إلى الاتحاد، غير أن «أزمة لبنانية» عكست سير تلك الأموال، وبدلاً من «ترحيلها» إلى بروكسل، بقيت في لبنان، حيث طرحت فكرة إنشاء برنامج آخر بيئي. يومها، سأل الاتحاد عما ينقص الدولة من احتياجات، فكان الاقتراح من المدير العام لوزارة البيئة بسؤال البلديات عن تلك الحاجات. تحوّل السؤال إلى البلديات التي اجتمعت في معظمها على موضوع واحد: معالجة النفايات الصلبة. هكذا، قام المشروع وتجسد ببروتوكول مشترك ما بين وزارات الدولة لشؤون التنمية الإدارية والبيئة والداخلية والبلديات ومجلس الإنماء والإعمار.
وضع «جدول» الشروط، وأُلّفت لجنة لتقويم طلبات البلديات. تقدمت 70 بلدية واختير 11 منها، وهي اتحاد بلديات صور والنبطية والشقيف وجزين وبلدية أنصار والخيام (الجنوب) واتحاد بلديات الشوف السويجاني والشوف الأعلى وحمانا وتجمع بلديات عاليه وبحمدون (الجبل) وبلدية المرج وتجمع بلديات بعلبك (البقاع) واتحاد بلديات جبيل، وشمالاً اتحاد بلديات الفيحاء والمنية وبلدية مشمش. وقد بدأ العمل في بعضها مثل أنصار والنبطية وصور، فيما تنتظر المنية «مناقصتها الموجودة لدينا، وفي اتحاد بلديات جبيل هيّأنا المعمل، كما يجري بناء المعامل في طرابلس وبعلبك، التي يُفترض أن يبدأ العمل بها أواخر الصيف»، يتابع بركي، لكن، هذه المهمة دونها صعوبات، ففي بعض الاتحادات لم يتمكن المعنيون من إيجاد قطعة أرض للبناء «بسبب التجاذبات السياسية»، أو بسبب وقوع تلك البلديات في نطاق خدمات سوكلين، كما هي الحال في اتحاد بلديات الشوف السويجاني حيث لا يزال المعمل مقفلاً «رغم كلفته التي فاقت مليوناً و100 ألف يورو». أما السبب؟ فتراجع البلديات عن تخليها عن سوكلين بحجة «الدين المتراكم عليها». ليس هذا فحسب، بل أيضاً هناك بلديات أجّرت معداتها لسوكلين، أو ركنتها وأبقت خدمات سوكلين. وفي هذا الإطار، خصّص وزير الدولة محمد فنيش 15 مليون دولار أميركي من الموازنة العامة لتشغيل بعض المعامل على مدى 3 سنوات، نزولاً عند طلبها لترك خدمات الشركات، إلا أنها سرعان ما رفضت. وهنا، تكمن مشكلتان: مشكلة رد التجهيزات وهي قانونية، لأنها سجلت بأسماء من تسلموها، ومشكلة المعامل المقفلة التي كان يمكن الاستفادة منها في أماكن أخرى. تضاف إليهما مشكلة إيجاد مطامر صحية لما يبقى من النفايات. وهنا، تبرز الحاجة إلى تمويل إضافي غير موجود أصلاً.




25 دولاراً للطن الواحد

حدّد مشروع إدارة النفايات الصلبة قيمة تمويل المشاريع بما بين 100 ألف يورو ومليون و100 ألف يورو، استناداً إلى احتياجات البلديات، كما حدّد كلفة تجميع ومعالجة النفايات بـ25 دولاراً للطن بالمجمل. وعلى أساسها تحددت مساعدة البلديات. ومن الطبيعي هنا أن تختلف موازنة اتحاد بلديات صور التي تنتج يومياً ما نسبته 150 طناً من النفايات، عن بلدية الخيام التي تنتج 15 طناً. وتشمل تلك القيمة عملية الفرز والكبس والتغليف والتخمير، باستثناء عملية الطمر لما يبقى من «العوادم»، التي لم تشملها مساعدة الاتحاد الأوروبي لكونها أكثر كلفة.