يبدو الاتحاد الأوروبي راضياً عن تعاونه مع السلطات المحلية في لبنان. الملفات الكثيرة على مكتب مدير البرامج المعنية باللامركزية، برونو موتيريول، هي لاقتراحات مشاريع تقدّمت بها البلديات بغية الفوز بعقد تعاون مع الاتحاد. وهذا ما فازت به نحو 241 بلدية حتى اليوم، تتوزع على 19 قضاء. وبذلك يدير الاتحاد حالياً نحو 66 عقد دعم وتعاون، قيد التنفيذ والإعداد، مع البلديات بقيمة إجمالية تبلغ نحو 64 مليون يورو.

لا يخفي موتيريول إعجابه ببعض المشاريع المقدّمة، في ظلّ وجود عدد من الأفكار الخلاقة، ويأسف لاستبعاد البعض الآخر بسبب عدم مواءمتها للمعايير المطروحة. بين الإعجاب والأسف، مسار معقد تعجز العديد من البلديات عن مجاراته، ما يبقيها بعيدة عن عقود التعاون. ويعترف موتيريول بهذا الأمر، حين يقرّ بصعوبة الإجراءات التي تسبق الحصول على موافقة الاتحاد، لكن هذه الصعوبة لا تعني أن الأمر مستحيل. بالعكس، بالنسبة إلى موتيريول، لم يعد مقبولاً أن تكون هناك بلدية غير قادرة على كتابة خطة واضحة لمشروع ترغب في إنجازه، ويلبي شروط الاتحاد. يقول: «هذا بزنس عليهم أن يتعلموه»، لافتاً إلى أن بعض البلديات توظّف خبراء في هذا المجال من أجل إعداد مشاريع لها.
لكنّ الحديث عن هذه الصعوبة لا يختصر كلّ تفاصيل العلاقة بين البلديات والاتحاد الأوروبي. ولهذا نظّم الأخير في 20 آذار الفائت لقاءً موسّعاً مع أعضاء 100 بلدية واتحاد بلدي بهدف مناقشة آليات التعاون بين الطرفين. اللقاء الذي استمرّ نهاراً كاملاً، في فندق روتانا جيفينور، ناقش العديد من المواضيع التي تواجه العمل البلدي في لبنان، على أن يصدر تقرير يختصر نقاشات هذا اليوم، يحال على المسؤولين السياسيين والاقتصاديين في البلاد، ويُنشر إلكترونياً للمناقشة.
منذ عام 2000 توجّه الاتحاد الأوروبي إلى السلطة المحلية، على خلفية أن «العمل مع السلطة الأقرب إلى المواطن، طالما أن السلطة الأعلى لا تستطيع التحرّك، أكثر فاعلية». وهذا ما أطلقت عليه رئيسة بعثة الاتحاد في لبنان أنجلينا ايخهورست، خلال اللقاء الأخير، اسم «مبدأ القرب» لأنه «يهدف إلى تعزيز شرعية المؤسسات والمجتمعات المحلية الأقرب إلى المستخدمين وقدرتها».
تحقيقاً لهذه الغاية، تتوزّع المشاريع التي يديرها الاتحاد على قطاعات مختلفة، وخصوصاً أنه يعمل على مستويين: المستوى الأول مع سلطة الوصاية، أي وزارة الداخلية والبلديات. وفي هذا الإطار يطمح الاتحاد إلى إصلاح النظام المالي، وتعزيز التوجه نحو اللامركزية. أما المستوى الثاني، فيطاول السلطات المحلية، وتتنوّع النشاطات فيه من دعم السياحة والمحافظة على الآثار، إلى التنمية الاقتصادية، المياه والصرف الصحي، الزراعة، إلخ.
هذا العمل لا يخلو من صعوبات تواجه الطرفين. ويوزّع الاتحاد الصعوبات التي يواجهها في التعاون مع البلديات على ثلاثة قطاعات: المشاريع، السلطات المحلية والدولة أو المركز. بالنسبة إلى المشاريع، يحرص الاتحاد على عدم الموافقة على مشاريع لا يستفاد منها، ويتمنى على البلديات أن لا تنجرّ إلى ما يعرف بالـ«شوبينغ ليست»، إذ التفت الاتحاد إلى رغبة البلديات في إنجاز مشاريع تتعلق بالبنى التحتية والتجهيزات، عوضاً عن التوجه إلى مشاريع أكثر تعقيداً (دراسات، تخطيط، تمويل).
بالنسبة إلى السلطات المحلية، تكمن مشكلة عدد كبير منها في عدم التجهيز، عدم القدرة على إدارة الأموال، صعوبة إنجاز الإجراءات التعاقدية، ما يدفع الاتحاد إلى التعاون مع بلديات تتميّز بأدء جيّد. ومن الصعوبات أيضاً، تغيير الرئيس والكوادر بعد الانتخابات، ما قد يعني أحياناً تغييراً في النظرة إلى عقود التعاون في ظلّ مشاركة محدودة للأهالي والمجتمع المدني.
أما على المستوى المركزي، فقد لاحظ الاتحاد أن العلاقة بين المركز والسلطة المحلية غير فاعلة، إضافة إلى التنسيق الضعيف بين الوزارات المعنية، إذ يطلب عدد منها مشاريع متشابهة الأهداف، وفيما تغيب الاستراتيجية الوطنية الواضحة بالنسبة إلى القطاع البلدي، يبدو التنسيق ضعيفاً أيضاً بين المموّلين، إذ يبرز التنافس، تكرار المشاريع، وغياب التقنيات المنهجية للمحافظة على الاستمرارية.
يشرح موتيريول في هذا الإطار أن من شروط التعاقد مع الاتحاد الأوروبي، ديمومة المشروع، تغطية كلفته، أن يكون الأهالي أو المستفيدون معنيين به. والأهم من كلّ هذا أن تكون الوزارات المعنية بالمشاريع متابعة لها «لأن تدخّلنا لا معنى له إلا إذا تعاونّا مع الوزارات المعنية».
بالنسبة إلى الاتحاد، «يجب أن نكون متأكدين أن المال يذهب إلى المكان المناسب» يقول موتيريول. ويقدّم مثالاً في هذا الإطار: تطلب منا العديد من البلديات إنشاء طرقات زراعية. هي تكون محتاجة فعلاً إلى هذه الطرقات، لكننا اتخذنا قراراً بعدم الموافقة على هذه المشاريع لأنها تدخلنا في مشاكل عقارية مع الدولة. الوضع معقد في لبنان بسبب مشاكل من هذا النوع. ومن المشاكل مثلاً، تغيير المجلس البلدي في الانتخابات «ينفذ الاتحاد مشروعاً ويتبين أن الرئيس الجديد للبلدية لا يريده».
أما بالنسبة إلى مشروع التمويل الجديد، الذي أعلنه الاتحاد أخيراً بقيمة 20 مليون يورو، فهو يتوزّع على طرفين. مركزي بهدف، دعم إصلاح مالية البلديات، ويتضمن عنصراً مهماً لتعزيز القدرات المؤسسية للوزارة ولسلطات المحلية، وسوف يُلحق به صندوق مخصص لاتحادات البلديات، لتنفيذ مبادرات تنموية محلية. ومحلي يقوم أولاً على تصنيف الاتحادات البلدية، ثم توقيع عقود موجهة وفقاً لتقسيمات الاتحادات.