كان ذلك عام 1984، عندما أعدّت الدولة اللبنانية مشروع قانون متكامل لإنشاء جهاز يتولى إدارة الكوارث. يومها، لم يكن ينقص هذا المشروعَ إلا مرسوم تطبيقيّ ليصبح لبلد الأزمات هيئة حقيقية تخطّط وتستعدّ للكارثة قبل وقوعها. مرّ الوقت، نحو 28 عاماً، ومرّ خلالها أكثر من كارثة، ومن حرب، بعضها مدمرّ وكان آخرها حرب تموز 2006، ولم يصدر المرسوم حتى انتهى ذكره وبدأ الحديث منذ فترة غير بعيدة عن إعداد مشروع آخر لإنشاء هذه الهيئة بعدما «تكركبت» الدولة من جرّاء سقوط مبنى فسّوح في الأشرفية على رؤوس ساكنيه.

عادة ما تثير الأزمات وعياً مفاجئاً، فيكثر الحديث عن غرف لإدارة الكوارث، لكن سرعان ما يغيب ذلك الوعي بمجرد مرور «أربعين» الضحايا، وتختفي معه النقاشات. تماماً كما جرى عقب عام 1984 وما قد يجري الآن.
فماذا، مثلاً، لو «هبّ» البحر وجرف معه بيوت الفقراء القريبة منه؟ وماذا لو اهتزت الأرض وانهارت من فوقها البيوت الهشة؟ وماذا لو وقعت حرب جديدة مفاجئة على غرار حرب تموز؟
كل هذه الأسئلة، وخصوصاً ما يتعلق منها بحرب تموز، كانت دافعاً لاتخاذ اتحاد بلديات الضاحية الجنوبية القرار بإنشاء «مركز طوارئ وإدارة أزمات»، نائياً بنفسه عما يجري من نقاشات في البلد لإنشاء الهيئة الوطنية.
من دون انتظار كوارث جديدة، باشر الاتحاد قبل أربع سنوات ببناء المركز على طريق المطار «في مكان استراتيجي ما بين الغبيري وحارة حريك وبرج البراجنة»، على ما يقول رئيس الاتحاد محمد سعيد الخنسا، لينهيه بعد أربع سنوات أيضاً. لم يكن ثمة داع إلى انتظار سقوط ضحايا آخرين ليُبنى المركز، فقد كانت كافية ثلاثة وثلاثون يوماً من الدمار في الضاحية الجنوبية للتفكير جدياً في أن «عملنا لا يقتصر على دفن الموتى»، يقول الخنسا.
هكذا، كانت الحروب «ملهماً أساسياً» لبناء الهيئة «التي هي الأولى من نوعها في لبنان»، إذ إنه حتى هذه اللحظة لا اتفاق على إنشاء هيئة وطنية. ثمة دوافع أخرى للإسراع في البناء، تتلخّص في ما عانته بلديات الضاحية من ضعف في التجهيزات أثناء مشاركتها في عمليات الإنقاذ وإزالة الردميات «إذ اكتشفنا بعض الثغر، مثل افتقارنا إلى تجهيزات كسر الحديد والركام الثقيل والملابس المخصصة لاقتحام الأماكن المحروقة، وبعض معدات الإنقاذ، إضافة إلى قلة عناصر الإنقاذ وضعف التدريب».
لكلّ هذه الأسباب، بني مركز الضاحية.. والجوار أيضاً في «الحالات الحرجة» على مساحة 3300 متر مربّع أسهم في تقديمها الاتحاد من «خلال توقيع اتفاقية بروتوكول مع الصندوق الكويتي للتنمية، الذي أسهم بقيمة 62,6% من التكلفة (مليونين و700 ألف دولار أميركي)، فيما أسهم الاتحاد بالقيمة الباقية البالغة مليوناً و600 ألف دولار».
4 ملايين و300 ألف دولار أميركي، تضاف إليها تكلفة الأرض (نحو 3000 دولار للمتر المربع الواحد) ولا تزال الحاجة ملحة إلى ستة ملايين دولار إضافية من أجل توظيف العديد الذي لا يقل عن 250 شخصاً «ما بين مختصين وإداريين» والتجهيزات التي بدأ الاتحاد بالتواصل مع عدد من الجهات المانحة من أجل تأمين بعضها.
وفي موازاة هذا العمل، يباشر الاتحاد وضع الآلية القانونية لتوظيف الكادر بعدما «أضفنا إلى جدول الاتحاد نظام توظيف يتكون من دفاع مدني وفوج إطفاء مستقل عن الجهاز الرسمي». وبعد الانتهاء من صياغة الآلية، «يختار الاتحاد كادر الهيئة ليبدأ بعدها بتدريب العاملين من خلال الاستعانة بخبرات داخلية وخارجية». ولا يخفي الخنسا أن الاتحاد قام «ببعض التدريبات» لمدربين.
تدريبات باشرها الاتحاد قبل تحديد الآلية القانونية، لكنها ضرورية في بلد فيه «الكثير من المفاجآت» ومعرّض للزلازل والفيضانات والكوارث الطبيعية في كل حين «وخصوصاً أنه يقع أصلاً في منطقة الزلازل»، يضيف الخنسا. ومن المفترض أن ينتهي تجهيز المركز كي يصبح جاهزاً للعمل في غضون بضعة أشهر، على أن يبدأ العمل في مركز طوارئ آخر في بنت جبيل وثالث في طرابلس.