حقق هادي علي الموسوي حلمه خلف القضبان، ونال إجازته الجامعية بعد تعب وسهر وحرية مسجونة. حرية لم يكن هو من قرر أسرها، بل «ساعة تخلّ» كانت السبب في سجنه وإدانته بحكم قضائي بجريمة قتل قبل سنوات سبع. جريمة لا يعرف هادي كيف وقعت في قريته النبي شيت ولماذا؟ لكنه أيقن أن القانون فوق كل اعتبار، وها هو ينفذ عقوبته، منتظراً بفارغ الصبر انتهاء مدة محكوميته ليعود الى الحياة الطبيعية.


رفض هادي في قرارة نفسه أن ينهي محكوميته ويخرج الى الحرية من دون أن يكون معه ما يساعده على مواجهة الحياة ومتطلباتها. صمم على متابعة دروسه الجامعية، وهو الذي كان طالباً في السنة الثالثة في كلية الآداب والعلوم الإنسانية في الجامعة اللبنانية ـــــ الفرع الرابع (زحلة) قبل وقوع الجريمة (رفض الإفصاح عن تاريخ وقوعها لحسابات خاصة) التي أدين بارتكابها وحكم عليه بالسجن لمدة 7 سنوات و6 أشهر.
يقول هادي لـ«الاخبار» إنه قبل وقوع الجريمة، كان أيضاً طالباً في كلية الحقوق ويتابع في الوقت نفسه دراسة التاريخ في كلية الآداب. «كنت في السنة الدراسية الرابعة في كلية الحقوق، واتهمت خلالها بجريمة القتل العرضي، ما حرمني من متابعة الدراسة، إذ لم أستطع التقدم للامتحان النهائي». ويضيف «بعدما صدر الحكم القضائي بحقي، تقدمت بطلب الى إدارة السجن لتسمح لي بمتابعة دروسي في اختصاص التاريخ في كلية الآداب».
وافقت إدارة سجن زحلة، بعد مراجعة الجهات المعنية، على طلب هادي بمتابعة دروسه الجامعية من داخل السجن. وأوضح مصدر أمني لـ«الأخبار» أن إدارة السجن توصلت الى تفاهم مع إدارة كلية الآداب في زحلة، التي وافقت على السماح لأهل السجين بتسليمه الكتب الدراسية والمحاضرات داخل السجن. ويضيف إن إدارة السجن «شجعت هادي على متابعة دروسه ووفرت له كل متطلبات تحقيق هدفه، كما أنه لم يقصّر في تنظيم مكتبة السجن ومساعدة السجناء في القراءة والكتابة وتوفير الكتب لهم». ويتابع المصدر إن «خطوة هادي الموسوي شجعت السجناء على القراءة، وبدأ التنافس في ما بينهم على من يقرأ كتباً ويناقش مضمونها»، مشيراً الى أن السجين هادي «شخص جدير بالثقة، ساعد في حل الكثير من الإشكالات، ووفّر مساعدات مهمة للسجناء من خلال مواظبته على الالتزام بالقوانين المرعية».
في نهاية العام الجامعي 2010 ـــ 2011 خضع هادي الموسوي للامتحان النهائي (الدورة الثانية) داخل سجن زحلة. تولت لجنة مراقبة ومتابعة من كلية الآداب ــــ قسم التاريخ الإشراف على خضوعه للامتحان من داخل سجنه، تحت مراقبة موظف من الكلية وآخر من إدارة السجن. وأوضح مدير كلية الآداب في زحلة الدكتور نديم مراد لـ«الأخبار» أن كليته فرزت موظفاً تولى مهمة زيارة هادي في السجن وتسليمه، وفق القوانين المرعية الإجراء، مغلفات أسئلة الامتحان النهائي. وأشار الى «أنها الحالة الأولى التي تحصل معنا في الكلية، لذا وفرنا كل متطلبات إنجاح المشروع لأهميته، بالتعاون مع إدارة السجن»، مؤكداً أن خضوع سجين لامتحان في شهادة جامعية «كان خطوة مميزة، ولذا نشجع كل سجين على متابعة تحصيله العلمي، ولا سيما أن قوى الأمن الداخلي وجدت في نجاح هادي فرصة سانحة تؤهل السجين لاحقاً للخروج بعد انتهاء محكوميته، وأن يكون أكثر قدرة على مواجهة صعوبات الحياة وألا يتحول الى عبء على أهله ومجتمعه».
في 17 الشهر الماضي، تسلم هادي علي الموسوي إفادة النجاح من كلية الآداب ـــ قسم التاريخ (رقم ملفه الجامعي 19655 ورقم الامتحان 3141) وهو في السجن. عن ذلك يقول: «كانت فرحتي كبيرة، وخصوصاً حين أقام لي رفاقي هنا حفلة صغيرة». ويضيف: «لقد نجحت وحققت حلمي وحصلت بتعبي ومثابرتي على الإجازة التعليمية في قسم التاريخ». ويتابع «حين أخرج بعد أن أنهي مدة الحكم سأتابع تحصيلي العلمي في الحقوق، وأتمنى أن تساعدني الظروف على تحقيق هذا الحلم أيضاً». وتابع «كل ما أخاف منه حين أخرج هو أن لا أجد عملاً أو وظيفة. فهناك مشكلة ستواجهني، إذ لن يقبل أحد بتوظيفي لأنني كنت مسجوناً ومحكوماً بتهمة قتل عرضي»، آملاً أن تجد الدولة حلاً لحالات كهذه، و«بالتالي تكون قد أهّلتنا فعلاً لا قولاً لنكون قدوة في مجتمعاتنا».
وأعرب عن سروره الكبير حين «زارني آمر السجن مع كبار مساعديه ومع ضباط قيادة منطقة البقاع الإقليمية وقدموا لي التهنئة باسم قائد منطقة البقاع، وهذا ما أعطى دفعاً معنوياً لبقية السجناء، إذ تحمّس بعضهم لمتابعة تحصيلهم العلمي».
هادي الموسوي الذي لم يقف السجن حائلاً دون متابعته لدراسته الجامعية، أسهم في بناء مكتبة السجن، بالتعاون مع قوى الأمن الداخلي وعدد من الجمعيات المهتمة. وقال لـ«الأخبار» إن إصراره على متابعة دروسه الجامعية «لم يمنعني من تطوير مكتبة السجن ومساعدة السجناء معي على تطوير قدراتهم في القراءة والكتابة».
وتابع إن آمر السجن في زحلة وجميع الضباط والمساعدين والعسكريين «شجعوني على تحصيل علمي، وسهلوا لي كل ما احتاج إليه لتطوير وعي السجناء في التثقيف الذاتي»، مشيراً الى أنه لدى إنهائه محكوميته «سأعمل على إرسال طلب الى رئيس محاكم الاستئناف في بيروت لتعييني مرشداً اجتماعياً في السجون، وإذا لم أجد وظيفة فسأصبح عاطلاً من العمل، لذا يجب أن أستعد لمواجهة التحديات منذ الآن».




تعددت الأسباب التي أفضت الى جريمة القتل المتهم بها هادي علي الموسوي المحكوم بالسجن 7 سنوات ونصف. فعلى أثر الجريمة المتهم بها، تنوعت التحقيقات الأمنية والقضائية، وتوصلت الى خلاصة وضعت أمام القضاء المختص الذي أصدر حكمه بـ«انتفاء السببية بين الجرم والنتيجة، وقررنا بالإجماع اعتبار الجرم قتلاً عرضياً، وتجريمه بالمادة 184/547».