«فرار ثلاثة إرهابيين خطرين جداً من سجن رومية». كان يمكن هذا الخبر أن يكون «عيدية» للبنانيين في مطلع العام الجديد، لكن العملية، التي خطط لها الثلاثة جيداً، فشلت. رغم أنهم «حبكوا» الخطة جيداً، إلا أن تغييراً أحدثته إدارة السجن في خطة انتشار الدوريات، قبل أيام، أدّى إلى كشف أمرهم قبل مغادرتهم حرم السجن. السجناء الثلاثة هم من نزلاء المبنى «ب» في السجن المركزي، وتحديداً في الطبقة المخصصة لـ «ذوي الخصوصية الأمنية»، أو الذين يعرفون بالإسلاميين. واثنان منهم من سجناء «فتح الإسلام»، هما محمد الشيخ عثمان وحمزة قويدر، أما الثالث، الموقوف بتهمة إرهاب، فهو عمر بلان. وكان لافتاً عدم وجود لبناني بينهم، على عكس المرّات السابقة، إذ إن الثلاثة سوريون.


محاولة الفرار تشبه إلى حد بعيد الفرار الناجح من سجن «شاوشينك» الأميركي، الذي تحوّل فيلماً يحمل اسم السجن. فقد نجح السجناء الثلاثة في إحداث فجوة في حائط الزنزانة، من جهة الحمّام، مستخدمين أدوات حفر استولوا عليها العام الماضي أثناء «انتفاضة رومية». عبروا الفجوة وخرجوا إلى الضوء من الجانب الآخر، ثم زحفوا على الممر الهوائي المؤدي إلى سطح مبنى آخر، قبل أن يفاجئهم عناصر حراسة «غير متوقعين». ألقي القبض عليهم، وفي حوزتهم كمية من العسل، تحسباً لجوع يمكن أن يواجههم أثناء الهرب، إضافة إلى شفرات حلاقة كانوا يريدون استعمالها لحلق لحاهم الكثّة، بغية التمويه بعد الفرار. طبعاً، كان «أقل الواجب» أن يوضع الثلاثة في السجن الانفرادي، كإجراء تأديبي. وفي التحقيق معهم، كان لافتاً التبرير الذي أدلوا به لمحاولتهم الفرار، إذ قالوا إنهم «يريدون مغادرة السجن للالتحاق بالذين يحاربون النظام السوري، وإنهم قلقون على عائلاتهم المقيمة داخل سوريا». هكذا، باتت الأزمة السورية «شماعة» للكثيرين، لكن أحد المتابعين عن كثب لعملية الفرار، لم يستغرب ذلك من «موقوفين إسلاميين بتهم إرهاب، من الطبيعي أن يتفاعلوا مع ما يحصل داخل سوريا هذه الأيام، وخصوصاً أنهم يشاهدون التلفزيون يومياً، ويسمعون خطب بعض الشيوخ، الذين يؤثرون فيهم مذهبياً».
إلى ذلك، ثمة حالة تقلق بعض الأمنيين داخل السجن المركزي هذه الأيام. فخلال الآونة الأخيرة، بدا أن الإسلاميين «كبر راسهم، في ظل ما يسمعونه عن بروز التيارات الإسلامية في أكثر من بلد عربي». وبحسب مسؤول أمني رفيع، فإن محاولة الفرار «توجب علينا أن نفتح موضوع السجناء الإسلاميين عموماً، الذين استساغوا أخيراً ضرب وإيذاء بقية السجناء، بل وحملهم الجميع على الإضراب عن الطعام، الذي تبيّن لنا الآن لماذا كانوا يجبرون الآخرين عليه». ولفت المسؤول إلى أن فرار أي سجين «يعد أزمة كبيرة للدولة وللأجهزة الأمنية، نظراً إلى ما يحمله معه من خطر على المجتمع، فكيف إذا كان هذا السجين من الذين لا يتورعون عن القتل أو الذبح لأسباب عقائدية؟ لو نجحت عملية فرار الثلاثة لكانت قد قامت القيامة في لبنان ولم تقعد، ولكان قد عوقب الحراس والضباط، لكن مع فشل العملية، بسبب إجراءات أمنية متخذة أخيراً، فإن أحداً لم يتحدث عن الموضوع كما يجب». وفي هذا الإطار، عُلم أن المدير العام لقوى الأمن الداخلي، اللواء أشرف ريفي، نوّه بعمل قيادة سرية السجون المركزية برئاسة العقيد عامر زيلع، إضافة إلى قيادة منطقة جبل لبنان في الدرك، وذلك لـ «التدابير المتخذة التي أدّت إلى إحباط المحاولة الخطرة، وخاصة أنها جرت من دون إطلاق نار، ومن دون إصابات».
من جهة أخرى، تعيد الحادثة الأخيرة تسليط الضوء على واقع السجناء الإسلاميين في لبنان. فهم، وإن كانوا قد «تفرعنوا» في الآونة الأخيرة، إلا أن لديهم على السلطات القضائية الكثير من المآخذ المحقة. فمثلاً، يمكن إيجاد أشخاص بينهم لم يعرضوا على أيّ قاض منذ أكثر من 4 سنوات، وقصة السجين الفار عبد الناصر سنجر خير مثال على ذلك. فالأخير، الذي تمكن من الهرب خلال العام الماضي، أنهى عقوبته المحكوم بها من جانب المحكمة العسكرية، إلا أنه بقي خلف القضبان لأن القضية محالة أيضاً على المجلس العدلي، لكن المجلس لم يفتح ملف قضية سنجر، وسواه من السجناء في ملف فتح الإسلام، تارة بسبب عدم اكتمال هيئته، وتارة لأسباب سياسية غير معلنة، وهو ملف «لن يفتح أبداً» في لبنان، بحسب ما يقول إيهاب البنا. وهو سجين إسلامي سابق، يتابع اليوم شؤون السجناء الإسلاميين عموماً.




لقطة

لم تعد تحصى عمليات الفرار من سجن رومية، فضلاً عن المحاولات الفاشلة التي تتكرر باستمرار، والتي تأتي بغالبيتها من جانب سجناء إسلاميين. وبحسب مسؤول أمني، فإن الإسلاميين «أقوياء داخل السجن وخارجه، ويكونون غالباً على تواصل مع جهات في الخارج تساعدهم على إتمام عمليات الفرار، على عكس باقي السجناء الذين لا يقف وراءهم أحد». آخر تلك العمليات، التي تكللت بالنجاح، حصلت في شهر آب من العام الماضي، إذ تمكّن 6 سجناء من الفرار، منهم محمد الدوسري وعبد العزيز المصري وعبد الناصر سنجر وعبد الله شكري، وهم من أفراد تنظيم «فتح الإسلام». ولم تتمكّن القوى الأمنية بعد ذلك سوى من توقيف شخص واحد من الفارين، هو اللبناني وليد اللبابيدي، فيما نجح الباقون، وهم من جنسيات عربية، بالابتعاد عن محيط السجن.



حظوة الإسلاميين وإخلاءات السبيل

لطالما شعر سجناء رومية بأن «الإسلاميين» في رومية «مدللون» أكثر من غيرهم. فبعد أحداث مخيم نهر البارد، ودخول عدد من أفراد تنظيم «فتح الإسلام» إلى السجن المركزي، تردد آنذاك، على ألسنة بعض كبار الضباط، أن دار الفتوى ترعى هؤلاء السجناء، وتؤمن لهم يومياً وجبات طعام من خارج السجن. ومع وصول الرئيس نجيب ميقاتي إلى رئاسة الحكومة، تردد أن الأخير يريد أن يقوي شعبيته في الشارع السني، فأطلق وعوداً للسجناء الإسلاميين بـ«حلحلة» قضاياهم العالقة أمام القضاء. وبالفعل، خرج عدد منهم بإخلاءات سبيل، قيل إنها سياسية، ليعود اليوم من بقي من السجناء إلى الشعور بـ «الامتعاض» من عدم استكمال تلك الخطوات. يذكر أن بعض السجناء يؤكدون أن من بين الإسلاميين، من يجري اتصالات مباشرة بقادة سياسيين رفيعين.