ثورة التكنولوجيا كانت بالفعل ثورة. غيّرت في وسائل التعبير ووسائل الاتصال، ووسائل القمع (لا شك بأن الاستخبارات العربيّة استفادت كثيراً من التكنولوجيا التي أتاحت لها كهربة الأعضاء التناسليّة للمساجين السياسيّين عبر جهاز التحكّم عن بعد). والصحافة تأثّرت أكثر من غيرها ربّما، وخصوصاً أن المهنة تتعرض لتغييرات هائلة، وقد أصابت رأس المال المُسيطِر بالذعر. لم تدر الشركات القليلة العملاقة بمدى عمق التغيير الذي أصابها في عصر الإنترنت، ولم تكن مستعدّة له


أسعد أبو خليل*
شكّل عصر الإنترنت وثورة الاتصالات التحدّي الثاني الذي واجه حريّة الإعلام (وحريّة رأس المال). فقد سألت 150 تلميذاً وتلميذة في صفّ مادة «السياسة في أميركا» هذا الفصل الدراسي عن عدد الذين واللواتي يقرأون الصحيفة، أية صحيفة، في الصباح (أو المساء) لتلقّي الأخبار. تلميذتان فقط رفعتا يديهما. ثم سألتهم (وسألتهنّ) عن الذين واللواتي يتلقون الأخبار عبر شاشة التلفاز. نحو عشرة فقط من التلاميذ أجابوا بالإيجاب. أما الأكثريّة الساحقة فقد أفادت بأن ما تتلقّاه من أخبار يصل لها عبر شاشة الكومبيوتر (وهناك من يستعمل شاشة الهاتف الخلوي، وخصوصاً أن شبكة «جي 3» السريعة باتت في متناول الجميع هنا، وكان يمكن أن تصل إلى لبنان لو لم ينشغل شعب لبنان العظيم وفادي عبّود بإعداد أطباق عملاقة من الحمّص والتبّولة). هذا التغيير في وسائل تلقّي الأخبار يرسم أفق مستقبل الإعلام حول العالم. والجرائد باتت تعاني في كل بلدان العالم: حتى فرنسا التي تأخرت في معاناة التدنّي في قراءة الصحف (مقارنة بالولايات المتحدة التي كانت السبّاقة في هبوط نسبة القراءة ربّما لأنها كانت السبّاقة في إيصال شبكات «الكيبل» إلى المنازل) لحقت بباقي الدول، وباتت صحيفة «لوموند» لا تبيع أكثر من نصف مليون عدد، إن لم يكن أقلّ.


على الصحف العربيّة أن تبني على الإنترنت حيّزاً أوسع من الجريدة المطبوعة

لا شك بأن ثلاث سمات أثّرت على الصحافة المكتوبة في العقود الماضية. السمة الأولى تتعلّق بانتشار شبكات التلفزة الفضائيّة حول العالم، وشبكات «الكيبل» التي تعطي المُشاهد كمًّا كبيراً من الاختيار (وإن كان المغنّي بروس سبرنغستين قد قال في واحدة من أغنياته غير المعروفة كثيراً: «60 محطة وليس هناك ما يستحق المُشاهدة» ـــــ وهو تعبير عن مقولة بيار بورديو في كتابه «عن التلفاز» حيث رأى في تنوّع التلفزة وحدانيّة، في السيطرة وفي البرمجة). أي إن التنوّع مخادع وزائف. كأن تذهب إلى متجر وترى صفّاً من أنواع مختلفة من السكاكر وألواح الشوكولاتا، وعندما تدقّق في النوع تجد أنها مملوكة من شركة واحدة (وهي في الغالب تستحقّ المقاطعة بسبب علاقة تجاريّة مع الكيان الصهيوني الغاصب في فلسطين). أي إن التنوّع، مثله مثل باقي جوانب المجتمع الرأسمالي، يغطّي احتكار رأس المال في الملكيّة. وهذا ما عناه ماركس في «الغرندريس» عندما قال إنه «ليس الأفراد هم الذين يسيطرون في المنافسة الحرّة بل رأس المال». ثم ما قيمة الفرد إذا ما واجه رأس المال؟ هل واجه أسامة سعد بهيّة الحريري وفؤاد السنيورة، أم أنه واجه رأس المال السعودي والحريري؟
وانتشار شبكات التلفاز، بما فيها الإخباريّة على مدار الساعة، ولدينا منها في العالم العربي أكثر ما لدى الغرب، وأفضل مما لديهم، ينفي الحاجة إلى ابتياع الجريدة اليوميّة (لن نتحدّث عن المجلّة الأسبوعيّة لأنها انتهت بعد اغتيال سليم اللوزي). من يحتاج للانتظار إلى صباح اليوم التالي لقراءة نصوص التصريحات والخطب العصماء وقد سمعناها ورأيناها حيّة على الشاشة في اليوم السابق؟ ثم إن الصحيفة نمت وترعرعت في عصر كانت الاتصالات فيه بدائيّة جدًّّا، وكانت الصحف تغطّي حاجة ملحّة لمتابعة ليس فقط ما يجري حول العالم بل ما يجري في المدينة نفسها. هناك من يخبرك من زمن ما قبل الحرب في بيروت أنهم كانوا يذهبون إلى مطابع الصحف في الصباح الباكر بعد سهر طويل لتلقّف الجريدة من المطبعة طازجة. اليوم، الصحيفة هي في معظمها تكرار لما رأيناه في الليلة السابقة على الشاشة. وأذكر عندما زرت مكاتب «الأخبار» قبل أن تصدر أن الراحل جوزف سماحة فاجأني عندما أورد في الحديث قرارهم بعدم نشر التصريحات الطويلة للسياسيّين لأنها معروفة للناس من الليلة الماضية عبر التلفزيون. وهذه الخطة في تغطية «الأخبار»، فاجأتني بنجاحِها. أي إن الجرائد اليوم مضطرّة لإعادة اختراع مبرّر وجودها وإلا اندثرت أو شاخت كما يحدث مع جريدة «النهار» التي لم تحد في أسلوب تغطيتها عن زمن الأربعينيات ـــــ بصرف النظر عن انحيازها الطائفي والسياسي الصارخ. التكيّف ضروري للاستمرار. ونستطيع أن نرصد هبوط مبيع الصحف الفرنسيّة بعد القدوم (المتأخّر) لشبكات «الكيبل» هناك.
السمة الثانية تتعلّق بارتفاع أسعار الورق والمطابع وتكاليف التوزيع وتقلّص الموارد الإعلانيّة. هذا ضغطَ على الصحافة من أجل عصر النفقات. والبعض، وخصوصاً الصحف المملوكة تاريخيّاً من عائلات، والتي كانت تتناقل المهنة ومهمتها الحرفيّة من جيل إلى جيل، اندثر وزال من الوجود، أما البعض الآخر فتعرّض لعروض شراء من أجل المحافظة على الرمق. وهذا ما كاد أن يقضي على الجريدة المحليّة في أميركا (أقل من خمسين مدينة هنا لديها أكثر من صحيفة ـــــ أي إن الضغط المالي قلّل من المنافسة التي تلهج الرأسماليّة بحمدها نظريًّا وتتقلّص باستمرار عمليًّا): فجريدة «بوسطن غلوب» (في مدينة بوسطن) باتت مملوكة من جريدة «النيويورك تايمز» (وهي جريدة مدينة نيويورك طبعاً). أما الصحف الأصغر، فباتت مملوكة من ثلاث شركات كبرى: «سكربس هوارد»، «غانيت»، و«مكلاتشي»، كما أن معظم أخبار الصحف المحليّة الصغيرة مأخوذ من أخبار شبكة «إي بي». وتقلّص التنوّع الصحافي يساهم في قدرة الحكومة على التأثير، ويقلّل من إمكان التحقيق الاستقصائي الذي يكلّف ماليّاً ويصيب الشركات الكبرى بالهلع، سياسيّاً وماليّاً. كيف يمكن، مثلاً، شبكة «إن.بي.سي» أن تقوم بتحقيق عن التسيّب والفساد المالي في عقود وزارة الدفاع الأميركيّة، فيما تتنعّم شركة «جي.إي» (المالكة الكبرى لشبكة «إن.بي.سي») بعقود بالمليارات مع وزارة الدفاع نفسها، وهي تصنّع بعض أجزاء الأسلحة، بما فيها الحافز النووي في الصورايخ النوويّة؟ طبعاً، في بلادنا، كانت الصحف قادرة على الاستمرار بموارد ماليّة صغيرة مع أن رخص إصدار الصحف في لبنان تكرّس احتكار رأس المال الكبير للإعلام، أو تساهم في ظاهرة سيطرة الأنظمة الثريّة على الصحف في الدول العربيّة، وخصوصاً في لبنان حيث للصحافة بريق تاريخي خاص. وهذا ما ساهم في تعزيز سيطرة آل سعود وآل الحريري. والأزمة الماليّة للصحف تُحلّ عادة عبر الارتهان الخارجي (هل لدينا أمثلة على ذلك في لبنان؟).
السمة الثالثة تتعلّق بعصر الإنترنت وتطوّره السريع. أصبح الإنترنت يحوي وسائل إعلاميّة إذاعيّة وتلفزيونيّة وورقيّة مجتمعةً. إذا قرأنا الاستطلاعات والدراسات التي تثبت بالأرقام هجرة الجيل الجديد عن الصحافة المكتوبة، نستطيع أن نصل إلى خلاصة منطقيّة عن الانقراض الحتمي للصحافة المكتوبة في غضون سنوات. تستطيع أن ترى وأن تلاحظ أعمار حملة الصحف في لبنان (أو في أي عاصمة أخرى في العالم). الأمر قد يختلف في بلادنا: هناك صحف تطبع يوميّاً ولا تبيع لكنها جزء من موازنة الإنفاق الدعائي التاريخي لآل سعود أو آل نهيان أو الصباح. والجرائد لا يمكنها أن تتنافس على أساس صحافي خالص، فيما تختلف القدرات الماليّة والدعائيّة بين الصحف. المنافسة بين الصحف في لبنان غير متكافئة، وخاصة أن متموّلاً واحداً يحرص على توزيع الإعلانات بصورة استنسابيّة (سياسيّاً وطائفيّاً) لضمان نجاح صحيفة واحدة. ثم كيف يمكن الصحافة المكتوبة أن تستمرّ في الاعتماد على مدخول البيع فيما يستطيع القارئ في لبنان وحول العالم قراءة الجريدة (قبل صدورها مطبوعةً) على شبكة الإنترنت؟ هناك من يرى الحل في فرض تعرفة شهريّة على مواقع الصحف على الإنترنت، لكن التجربة لم تنجح: فقد جرّبتها «وول ستريت جورنال» لكن مالكها الجديد، روبرت مردوخ ـــــ اليميني الصهيوني وشريك الوليد بن طلال ـــــ قرّر إلغاء التعرفة. وكانت صحيفة «الديار» تفرض تعرفة هي الأخرى لكنها أُلغيت أيضاً. وهناك المالك الصحافي، ستفن بريل، الذي يستثمر في شركة على الإنترنت جديدة تفرض تعرفة شهريّة مقابل اشتراك إعلامي على الإنترنت يتيح لصاحبه (أو صاحبته) الحصول على أعداد متفرّقة من المجلاّت والصحف (وبعضها غير متوافر بالكامل على الإنترنت الآن). قد يُكتب لهذه التجربة النجاح، وخصوصاً أن بعض المُعلنين أبدوا اهتماماً.
وهناك العولمة الإعلاميّة التي تزيد من الضغوط على الصحافة. فالقارئ المُتعلّم يستطيع اليوم الحصول على شبكات إعلاميّة عالميّة وصحف عالميّة دون حاجة إلى الصحف المطبوعة محليّاً. ومن نتاج تلك العولمة (التي تهدم الأسوار والحدود) أن شبكات ومجلات غربيّة تُصدّر لنا اليوم نسخاً عربيّة بهوى ومصطلحات غربيّة للتأثير على العقول. طبعاً، كانت تجربة قناة «الحرّة» بليغة في فشلها. أقنعت، بعد تجربة قاسية لأصحابها، مَن أعدّها أن الرأي العام العربي ليس غبيّاً كما تصوّر الصهاينة الأميركيّون الذين تحمّسوا للمشروع بعد 11 أيلول. ظنّوا أن قناة أميركيّة تستطيع أن تجذب العرب من دون أن يلاحظ العرب إهانة أذواقهم وتطلّعاتهم وعواطفهم وقضاياهم. «مساء الحريّة» تحوّل إلى مساء الدعاية الفظّة. عاد معظم اللبنانيّين الذي ظنّوا أن قناة «الحرّة» ستستحوذ على قلوب العرب وعيونهم، عادوا منها خائبين.
لكن مسألة الصحافة المكتوبة في العالم العربي تختلف عنها في الغرب. فما دام هناك أنظمة وسلالات منكبّة على الترويج لنفسها ولحروبها ولفتنها ولحروب أميركا وسياساتها، فالصحافة المكتوبة ستستمرّ لكنّها ستخسر قطاعات بحالها في الجيل الجديد. وقد تضطرّ الصحافة المكتوبة التي لا تعتمد على تمويل نفطي أو عائلي إلى تقليد الاندماج الاقتصادي في الغرب، حيث تسيطر شركات ست، لا أكثر، في أميركا على مجمل الإنتاج الإعلامي المُشاهد والمقروء على حدّ سواء. فشركات «ديزني» (مالكة «إي بي سي») و«جي إي» (مالكة «إن بي سي» و«نيوز كور» (مالكة شبكة «فوكس») و«فياكوم» و«تايم وورنر» و«وستنك هاوس» (مالكة «سي بي إس») العملاقة تسيطر على الاحتكار الإعلامي في البلاد من ناحية الكتب والنشر والصحف وشبكات التلفزة والإنتاج السينمائي والفني، إلخ (يبقى كتاب بن بنديكيان، العميد السابق لكليّة الإعلام في جامعة كاليفورنيا في بيركلي، «احتكار الإعلام»، مرجعاً في هذا الخصوص). وصحيح أن هناك نحو ألف محطة إذاعيّة في أميركا لكن نصفها مملوك من ثلاث شركات فقط. وهذا الاندماج الإعلامي يؤدّي إلى عصر النفقات وإلى إيلاء هدف الربح الأهميّة القصوى، وإهمال هدف البحث الصحافي ـــــ حتى لا نستعين بتلك الشعارات الفارغة عن «البحث عن الحقيقة» أو «مهنة المتاعب» أو غيرها من العبارات التي تستر أكثر مما تبوح. وبورديو يختلف حتى مع الهدف المُعلن عن «تغطية الحدث» ويتحدّث عن مشاركة الصحافة في «صنع الحدث». وعندما وضع جان بودريار كتابه «حرب الخليج لم تقع» ـــــ ومن دون الانخراط في الجدال الذي سبّبه الكتاب ـــــ كان يعني أن الإعلام ساهم في الترويج لحرب من زاوية المصلحة الأميركيّة، وفي تصوير مجازر على أنها حرب كلاسيكيّة.
لن تقف الصحافة المكتوبة على قدميْها إذا لم تتلقّ دعماً ماليّاً نفطيّاً في عالمنا العربي. تحتاج إلى نوع من التناسق والتناغم مع وسائل إعلاميّة رديفة، مرئيّة أو إلكترونيّة على الأرجح. يستطيع التزاوج بين وسيلة إعلاميّة مطبوعة وموقع على الإنترنت أن يخاطب جيليْن من القرّاء في آن واحد. لكن مواقع الصحف العربيّة على الإنترنت ليست إلا صوراً للنسخ المطبوعة. لم تبن المواقع بعد حيّزاً أوسع من الجريدة المطبوعة. الموضوع سيصبح ملحّاً، وخصوصاً بعد توافر الإنترنت السريع قريباً في بلادنا.
إن الحلّ الذي تكرّس في الاحتكار الإعلامي الغربي يمثّل خطراً على الحريّة الصحافيّة وعلى الديموقراطيّة بحد ذاتها. التزاوج بين الإعلام ورأس المال العملاق (المُرتبط عضويّاً بعقود بالمليارات مع الحكومة الأميركيّة، مثل حال «جي إي» أو «وستنك هاوس») يطيح فكرة فصل السلطات ويجعل الإعلام (السلطة الرابعة، حسب تعبير توماس كاريل) سلطة خانعة وخاضعة للسلطة السياسيّة والسلطة الماليّة معاً. كما أن الاندماج الإعلامي يعتمد على ما يسمّى «السِنِرجي»، وهي كلمة ذات أصل إغريقي (وتحتاج إلى صياغة معجميّة عربيّة رديفة) تعني توحّد العناصر لإنتاج مركّب ومتّحد ومفيد للعناصر نفسها. و«السنرجي» تصبح إعلاميّاً المعادلة التي تتيح لرأس المال الترويج لسلعه ومصالحه عبر مختلف عناصر الشركات الخاضعة للسيطرة الأم. وهذا التناسق التجاري ـــــ بانتظار صوغ ترجمة أفضل للعبارة ـــــ يغشّ المستهلك الإعلامي لأنه لا يعلم غالباً أن الدعاية الفنيّة أو الترويج الموسيقي مرتبطان بعنصر آخر للشركة الأم (كأن تروّج «المؤسّسة اللبنانيّة للإرسال» لإنتاج «روتانا» ويظن المشاهد أن الترويج بريء من الغرض التجاري للوليد بن طلال، المالك في الشركتين).
والخطورة، كل الخطورة، هي في اتساع شبكات الإعلام العالميّة. أي إن ظاهرة التملّك الأخطبوطي السائدة في أميركا تتسع لتشمل قارّات مختلفة من العالم. وشركات «فيفندي» و«تايم وورنر» و«ديزني» و«نيوز كور» و«فياكوم» و«بيرتلسمن» هي الشركات الست ذات الملكيّة العالميّة لوسائل إعلام في كل أصقاع الكرة الأرضيّة. فـ«فيفندي»، مثلاً، تمتلك وسائل اتصال في إسبانيا والمجر وموناكو وبولونيا ومصر، كما أنها تمتلك شركتيْ خلوي في فرنسا، وهي نفسها تمتلك «كنال بلوس» الفرنسيّة وشبكات «يونفرسال استديو» حول العالم، وهي نفسها تمتلك أكثر من 22% من السوق الموسيقية العالمية (عبر شركات «بوليغرام» و«موتاون»، مثلاً). كما أنها تبيع ملايين من الكتب والأسطوانات عبر شركات إنتاجها ودور نشرها. وينطبق هذا على شركة مردوخ، «نيوز كور» التي تمتلك صحفاً في أميركا وبريطانيا وأكثر من 100 مطبوعة في أوستراليا، وجريدة «إندبندنت» في نيو زيلاندا، وصحفاً أخرى في جزر الفيجي وبابوا. وتغطّي شبكات مردوخ التلفزيونيّة أوروبا وأميركا الشمالية وأميركا اللاتينيّة وآسيا (بما فيها سوق الصين العملاقة).

تستطيع الصحافة في لبنان التكيّف مع الثورة التكنولوجيّة دون أن يبتلعها رأس المال

هذا التملّك الأخطبوطي للإعلام ينتشر في العالم العربي، وقد تزيد من حدّته الأزمة الماليّة العالميّة، التي بدأت بالتأثير على الوضع الإعلامي في منطقتنا، ممّا يدفع إلى المزيد من الاندماج، وإلى المزيد من التملّك: وصفقة شركة «نيوز كور» لابتياع حصّة كبيرة من «روتانا» يشير إلى المستقبل. والتأثير السياسي واضح في منطقتنا على صعيد احتكار وجهة نظر آل سعود السياسيّة لمعظم وسائل التعبير في العالم العربي (من دور نشر ومطبوعات ومحطّات تلفزيونيّة ومواقع إنترنت وأجهزة إصدار الفتاوى). والعولمة تزيد من سيادة الرأي الصهيوني على إعلامنا: لهذا فإن موقع «إيلاف» السعودي، مثلاً، نطق باسم الجيش الإسرائيلي أثناء العدوان على غزة، ثم عاد ليسوّغ تعاطفه مع إسرائيل عبر الاختباء وراء شعار «الحياديّة»، وكأن الصحافة الأميركيّة تنتهج الحياد إزاء الحروب الأميركيّة، وكأن الحياديّة موجودة بالفعل. وقد حاول حاييم صابان، الإسرائيلي، أكثر من مرّة في لقاءاته مع قادة قطريّين أن يشتري قناة «الجزيرة».
التحدّي الحقيقي أمام الصحافة المكتوبة يكمن في تغيير جذري لفلسفة الجريدة. ونجاح «الأخبار» هذه كَمَنَ في إنتاج جريدة لبنانيّة ـــــ عربيّة مختلفة بنسق مختلف لا يُكرِّر الجرائد الأخرى الموجودة. وفي فرنسا، مثلاً، نجحت مطبوعة رياضيّة فيما تعاني «لوموند» و«ليبراسيون»، كما أن صحف بريطانيا العريقة تعاني فيما تزدهر مطبوعات الخلاعة التجاريّة. المطبوعات الفنيّة والفضائحيّة قد تنقرض في عالم يسمح فيه الإنترنت بخرق كل الأعراف والقوانين والمواثيق. وهناك دلائل على أن مواقع الإنترنت التي تخالف أبسط الأعراف الصحافيّة ـــــ وهنا نتحدّث عن مواقع تندرج في إطار الصحافة، لا عن مدوّنات، ومنها 60 مليوناً في الصين وحدها ـــــ والمعايير المهنيّة والصدق والأمانة تنجح في اجتذاب القرّاء، وخصوصاً إذا زاوجت بين الدعاية السياسيّة النفطيّة والخلاعة السوقيّة ـــــ لا الفنيّة ـــــ التي تسلّع المرأة وتسوّقها. والتحرّر من مال الأنظمة يوسّع حيّز الحريّة.
من المبكر نعي الصحافة المكتوبة. لديها قرّاؤها ولديها جمهورها، وإن كانوا من المسنّين وممن يمتهنون الثقافة والكتابة والقراءة و«طق الحنك» مثلنا. لكن وضع الصحافة في العالم العربي يعاني مشاكل خاصّة به: فالديموقراطيّة باتت مستحيلة في منطقتنا، ومن السذاجة، لا بل من الضرر المطالبة بها، لأن المنافسة الحرّة ممنوعة في منطقتنا. التنافس الصحافي ينتفي في ظلّ سيطرة آل سعود وآل الحريري (وحتى آل نهيان وآل ثاني وإن بدرجة أقل) على وسائل التعبير المرئيّة والمسموعة والمقروءة، كما أن الانتخابات لا فائدة منها لأن الولايات المتحدة والسعوديّة تتدخّلان ليس فقط في سنّ القوانين الانتخابيّة لدفع مصالح الحلفاء، بل لأنهما تستعينان برشى على مستوى لم نشهد له مثيلاً كما حدث في أسوأ انتخابات في تاريخ لبنان، مع أن زياد بارود لم يلاحظ الرشى السعودية والحريرية، كما أنه لم يلاحظ تصريح «العروبة ليوم واحد» للبطريرك.
تستطيع الصحافة في لبنان وفي العالم العربي أن تتكيّف مع الثورة التكنولوجيّة الهائلة دون أن يبتلعها رأس المال العملاق (والمتوحّش) لكن هذا يتطلّب تغييراً في النظام الإقليمي العربي (وبدرجة أخرى في النظام العالمي). بانتظار ذلك، يمكن التعويل على إمكان توحيد المصادر والموارد بين وسائل إعلام متنوّعة ومتقاربة في الأهداف السياسيّة. لكننا في العالم العربي ـــــ مع بعض الإطلاق والتعميم ـــــ ننفر من التعاون والتكافل، كما أن التنافس الشخصي والطموحات الشخصيّة للأفراد يؤدّيان إلى حالة الشرذمة المنتشرة بين أبناء الصف الواحد وبناته. (البعث هو خير مثال: تحوّل الحزب الذي باعنا شعارات عن الوحدة العربيّة إلى حزبيْن في بلديْن يتبادلان السيّارات المفخّخة والاغتيالات والمؤامرات). المرحلة المُقبلة من الصحافة العربيّة هي في البحث عن حليف إعلامي.
* أستاذ العلوم السياسيّة في جامعة كاليفورنيا
(موقعه على الإنترنت:
angryarab.blogspot.com)