لعلّ أبرز ما يثير القلق في عمل المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري يرد في قواعد الإجراءات والأدلة. فالقاعدتان 74 و117 تفتحان أبواب لاهاي أمام «العمل السرّي»


عمر نشّابة
بعيداً عن «تسريبات» المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري إلى إعلاميين وسياسيين، التي يرفض المدعي العام الدولي التحقيق بشأنها، نعرض شكليّات مضبطة الاتهام ومحاذيرها. نبدأ بعرض قاعدتين أساسيتين من قواعد الإجراءات والأدلة تثيران قلقاً على عدالة المحكمة وشكوكاً بصدقيّة معلومات «سرّية» قد تُستخدم في مضبطة الاتهام: القاعدة 74 والقاعدة 117. تنصّ الأولى على أنه «في ظروف استثنائیة، وبناءً على طلب من المدعي العام أو الدفاع، یجوز لقاضي الإجراءات التمهیدیة، وفقاً لما تقتضیه مصلحة العدالة، أن یأمر بعدم إعلان قرار الاتهام للعموم أو أی مستندات أو معلومات مرتبطة به إلى أن یصدر أمر آخر بذلك». وبالتالي يمكن أن يلجأ دنيال فرانسين، بناءً على طلب دنيال بلمار أو فرنسوا رو، إلى الاحتفاظ بسرّية مضبطة الاتهام. إن الحالات التي تدفع نحو اتخاذ إجراء كهذا قد تشمل اتهام أشخاص مرتبطين بمجموعة تتمتّع بنفوذ كبير وشعبية عارمة وقوة عسكرية هائلة. وقد تسهّل سرية مضبطة الاتهام توظيفها سياسياً وإعلامياً. وما هو لافت أكثر من ذلك في نصّ القاعدة 74 هو إجازتها إعلام «سلطات دولة معيّنة» من دون غيرها. إذ جاء في النصّ: «یجوز للمدّعي العام الإعلان عن قرار الاتهام أو عن جزء منه لسلطات دولة معیّنة إذا رأى في ذلك ضرورة لغرض التحقیق أو الملاحقة».

لم تحدّد القاعدة 117 «المصالح الأمنية» للدول، فهل من بينها مصالح إسرائيل؟
أما القاعدة 117 فمضمونها ينافس «العمل السرّي» في مضمون القاعدة 74. فتذكر أن احتمال أن يؤدي الإبلاغ عن معلومات بحوزة المدعي العام «إلى المساس بالمصالح الأمنیة لإحدى الدول أو لإحدى الهیئات الدولیة، یجوز للمدعي العام الطلب من قاضي الإجراءات التمهیدیة في غرفة المذاكرة، وبصورة غير وجاهیة، إعفاءه كلیاً أو جزئیاً من موجب الإبلاغ» (القاعدة 117). لم تذكر القواعد كيفيّة تحديد «المساس بالمصالح الأمنية»، ما قد يشمل العمل الاستخباري والمناورات السياسية وأموراً أخرى تدخل في ما كان وليد جنبلاط قد سمّاه «لعبة الأمم». ولم تحدّد القواعد «الدول»، فمن بينها ربّما إسرائيل مثلاً؟

إجراءات المضبطة وشكلها

بعد اقتناع بلمار بوجود أدلة كافیة تظهر أن مشتبهاً فيه ارتكب جریمة من شأنها أن تدخل ضمن اختصاص المحكمة، یحیل قرار الاتهام إلى فرانسين لتصدیقه ویرفقه بالعناصر المؤیدة. وإذا كانت المضبطة تشمل جريمة غیر جريمة اغتيال الرئيس رفیق الحریري، فعلى بلمار أن يرفقها بطلب یتعلق بتلازم الجريمة مع جريمة اغتيال الحريري. وهنا يأتي دور رئیس قلم المحكمة هيرمان فون هابل الذي یحیل مضبطة الاتهام والمستندات المرفقة به إلى فرانسين الذي یُعلم بلمار بالتاریخ المحدد للنظر في قرار الاتهام.
وتتضمن مضبطة الاتهام اسم المشتبه فيه والمعلومات الشخصیة عنه وسرداً موجزاً لوقائع القضیة. ونتيجة لتدقيق فرانسين يجوز له أن یطلب من المدعي العام تقدیم عناصر إضافیة مؤیدة لإحدى التهم أو لجمیعها، و/أو مؤیدة للطلب المتعلق بتلازم جريمة مع جريمة اغتيال الحريري. أو قد یصدّق فرانسين المضبطة من دون طلبات إضافية أو یردّها أو يردّ جزءاً منها (تهمة أو أكثر).
وبعد تصديقه على المضبطة، يصدر قاضي الإجراءات التمهیدیة دعوة للحضور، أو مذكرة توقیف. ووفقاً للمادة 18 الفقرة 2 من النظام الأساسي (القرار 1757) «يجوز لقاضي الإجراءات التمهيدية، بناءً على طلب المدّعي العام، أن يصدر الأوامر والمذكرات لاعتقال الأشخاص أو نقلهم».
ويبلغ فون هابيل السلطات الوطنیة في دولة أو عدة دول نص إعلان لنشره في الصحف و/أو لبثّه في الرادیو والتلفزیون و/أو وسائل الإعلام وشبكة الإنترنت، یُعلن بموجبه وجود مضبطة اتهام وینذر المتهم بتسلیم نفسه. وقد یتضمّن الإعلان دعوة إلى كل من یملك معلومات عن مكان وجود المتهم لإطلاع المحكمة علیها.


استدعاء «الشهود»

تجيز قواعد الإجراءات والأدلة لقاضي الإجراءات التمهیدیة، بناءً على طلب المدعي العام، أو تلقائیاً، أن یصدر دعوة للحضور یوجهها إلى مشتبه به أو متهم أو شاهد. كذلك تجوز له دعوة شاهد بناءً على طلب من الدفاع. ویُبلّغ رئیس قلم المحكمة نسخة مصدقة عن الدعوة للحضور إلى الشخص المعني بها أو إلى السلطات الموجهة إلیها الدعوة، بما فیها السلطات الوطنیة للدولة التي یقیم المشتبه به أو المتهم أو الشاهد على أرضها أو ضمن ولایتها القضائیة أو من الممكن أن یكون فیها. ویمكن أن تحدد الدعوة للحضور مكاناً آخر غیر مكان مقر المحكمة لیمثل فیه المشتبه به أو المتهم أو الشاهد.
المستغرب في هذه المعلومات الواردة في نصّ القاعدة الـ78 من قواعد الإجراءات والأدلة عدم التمييز بين المشتبه به والمتهم والشاهد إلا في طلب الدفاع. ويذكر في هذا الإطار أسلوب بوليسي يعتمد على استدعاء مشتبه به على أنه شاهد وتحويله من خلال مضمون شهادته إلى متّهم.