محمد محسن

تغيرت شهرة محمد عريس من دون علمه، فأصبح محمد عريسي. أما مروة، فـ«بشحطة» قلم أصبحت أصغر من أولادها الثلاثة في بيانات إخراج القيد العائلي. إحدى المسافرات، رفض الأمن العام طلبها لجواز سفر، بسبب خطأ في بيانات قيدها زاد في عمرها 20 عاماً.
هذا ملخص لأخطاء كثيرة، ترد في المعاملات المرتبطة بالأحوال الشخصية. أخطاء غير مقصودة، لكنها قد تكون مؤذية. كيف لا وخطأ في بيان القيد يؤجل مشروع سفر، أو يفرض على الطالب تقديم طلب استرحام لتمديد مهلة تسجيله مثلاً؟
غالباً ما تحصل هذه الأخطاء في بيانات قيد المواطنين المسجلة نفوسهم في قراهم، ولكنهم من سكان المدن، ولا يستطيعون متابعة شؤونهم الإدارية لجهة الوثائق الرسمية. بديهياً، يبدو الاعتماد على المخاتير في مثل هذه الأحوال حاجة ضرورية.
يومياً، يملأ سائق الباص علي شمص جعبته بطلبات إخراج القيد الفردي والعائلي، التي يتسلمها من أحد المخاتير. وفيما تبلغ التكلفة الإجمالية لإخراج القيد بحسب التعرفة الرسمية نحو 5000 ليرة، يتقاضى شمص 20 ألف ليرة عن كل نسخة «بالمفرق، أما بالجملة فالسعر ينخفض كثيراً». لكنه ينبه إلى أن الفارق في السعر لا يعود عليه بالفائدة، فهو تكاليف محروقات «الفان»، وإعادة إرسال طلبات إخراجات القيد من بعلبك إلى مركز المحافظة. إذاً، المسألة خدماتية بالنسبة إليه. وهو ككثيرين من السائقين لا يتقاضون لقاء هذه الخدمة سوى مبالغ زهيدة «توفر على المواطن أكثر من 40 ألفاً إذا ما أراد أن ينجز إخراج قيده بنفسه» يقول علي.
لكن ما العمل عند حدوث أخطاء يصبح إخراج القيد بموجبها بلا فائدة؟ يحمّل علي المسؤولية هنا لدوائر النفوس، لكن المسؤول عن إصلاح الوضع هو المختار، وعليه دفع جميع التكاليف المترتبة.
يتفق أحد المخاتير الذي فضّل عدم ذكر اسمه مع علي في ما قاله. فهو يتحمل يومياً عبء بعض الأخطاء «التي يرتكبها غيرنا، فنعيد المعاملات على حسابنا». بحرفية عالية، يجمع المختار جميع طلبات معاملات الأحوال الشخصية التي تصله، ويرسل كلاً منها تبعاً لمكان استصدار الوثيقة مع سائق من أهل المحافظة. وترتفع التسعيرة تبعاً لبعد المسافة، فالطريق إلى صور أو بنت جبيل لا تحتاج إلى أكثر من 10 آلاف ليرة، وخصوصاً لكثرة البيانات المطلوبة منه، لكن الوثيقة من حاصبيا ثمنها 15 ألف ليرة.
من جانبه، يرى مختار الباشورة مصباح عيدو أن «المختار أساساً هو صلة الوصل بين المواطن والدولة». برأيه، السبب الأساسي لأخطاء إخراجات القيد هو غياب المكننة. يربط عيدو بين بقاء إخرج القيد مطلوباً «بالنظام الطائفي في لبنان»، وذلك على الرغم من وجود الهوية التي تفيد في معاملات كثيرة. مختار بيروتي آخر، تحدث عن آلية عمل المخاتير وكيف «يؤمنون عملاً إضافياً لموظفي النفوس ويسيّرون أمور أكثر من ألف معاملة يومياً في بيروت».
ماذا عن تسعيرة إخراجات القيد؟ يجيب المختار بأن الـعشرة آلاف التي يتقاضاها تريح الزبون من تكاليف وسائل النقل. مبلغ «زهيد» يتوزع كالآتي: 4 آلاف ثمن طوابع، 3 آلاف ليرة لموظف النفوس مقابل كل وثيقة، وخصوصاً أنهم يعملون وقتاً إضافياً بعد الدوام قد يمتد حتى العاشرة ليلاً. أما الثلاثة آلاف الباقية فهي للمختار بدل أتعابه.
وعن الأخطاء التي يعاني منها المواطنون، يردها المختار إلى دائرة النفوس «وخصوصاً أنها ليست كثيرة على مختار يجمع أكثر من 40 إخراج قيد يومياً، أما من لا يجمع أكثر من ثلاثة، فلا رزق له ولا من يحزنون» على حد تعبيره.
في المحصلة، العملية بين المخاتير والمواطنين والسائقين وموظفي النفوس، وإن كانت ملتوية بعض الشيء، فإنها تسرّع خدمة المواطن. وما جرى في بيروت مطلع التسعينيات عبرة، حيث شحّت لأيام إخراجات القيد فيها، بعدما أمر المدير العام للأحوال الشخصية آنذاك بالعمل في أوقات الدوام وأمام شباك المديرية فقط، وهو ما كدّس الطلبات بعضها فوق بعض، قبل أن ترتفع الصرخة ويعاد العمل بلعبة المخاتير وحلولهم على الطريقة اللبنانية.