هي المرة الأولى التي ينهار فيها مبنى في الضنّية بهذه الطريقة. وإذا كانت العناية الإلهية قد أنقذت من يقيمون فيه من تعرّضهم لفاجعة حقيقية، وبالتالي اقتصرت الأضرار على الماديات والرعب الذي دبّ في قلوب السكان، فإن أسئلة كثيرة تُطرح بشأن السلامة العامة ومراقبتها، وعن السبب في عدم اتخاذ إجراءات لمنع وقوع حوادث مماثلة، وخصوصاً أنّ الأهالي لم يقصّروا بالتحذير


الضنية ــ عبد الكافي الصمد
قرابة العاشرة من قبل ظهر أمس، هرع أفراد عائلة محمد هوشر من منزلهم في بلدة سير ـــــ الضنية والذعر يتملّكهم، مندفعين نحو الشارع وهم يصرخون بهلع كبير، بعدما لاحظوا أن المبنى الذي يقع فيه بيتهم بدأ يميل بهم إلى الأمام، بالتزامن مع سماعهم أصوات «طقطقة» ترافقت مع اتساع رقعة التشققات التي ظهرت في جدرانه في الأيام القليلة الماضية.
ومع أن أفراد عائلة هوشر خرجوا من منزلهم وليس عليهم سوى ثيابهم، فإن أحداً منهم لم يجرؤ على الدخول إلى المنزل مرةً ثانية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه، لأن المبنى المكوّن من 4 طبقات كان ينهار أمام أعينهم تدريجياً، ثم ما لبث أن تحوّل أنقاضاً بعد دقائق قليلة، طامراً تحته محطة وقود وملحمة كان هوشر قد أنشأهما منذ سنوات، وأصبحتا مصدر رزق له، إضافةً إلى مردود تأجيره طابقين من المبنى لمصطافين كانوا يأتون من مدينة طرابلس.
في هذا الوقت، كانت أخبار تصدّع منزل هوشر وانهياره تنتشر بسرعة البرق في البلدة، ففي مقابل مسارعة عناصر من قوى الأمن الداخلي الموجودين في مخفر البلدة إلى منع عبور السيارات على الطريق في الاتجاهين، بعد انهيار كمية كبيرة من الصخور من كتف الجبل الذي يلتصق به المبنى إلى وسط الطريق مع الركام، تجمّهر حشد من أهالي البلدة بفضولية كبيرة لرؤية ما يحصل، من غير أن يستطيعوا القيام بشيء سوى ترداد عبارة: «يا رب لطفك، شو يلّي عم يصير».
أسباب انهيار المبنى تضاربت بين شخص وآخر، فصاحبه الذي لم يتمالك نفسه، وبدا عاجزاً عن الكلام، كما ظهرت عليه علامات التأثر الشديد، أوضح لـ«الأخبار» أن «المياه التي تدفقت من عمق الجبل من وراء المبنى قد تكون السبب». وعندما لم يستطع إكمال حديثه من الانفعال، أشار جاره زياد الحميصي الواقف قربه إلى أنّ «كارثة ستحصل في البلدة إذا انفجرت محطة الوقود، كما أن البنايتين الموجودتين في أعلى الجبل مهددتان بالانهيار أيضاً، وما حدا بيعرف شو رح بيصير بعدين».

هوشر اشتكى للمخفر من حفريات جاره التي سبّبت الانهيار
وإذا كان هوشر قد نقل عائلته للإقامة مؤقتاً في منزل ذويه في البلدة، فإن أفراد العائلات المقيمين في البنايتين في أعلى الجبل فعلوا الشيء نفسه، بعدما أبلغهم المالك (الدكتور غازي فتفت وأبناء علي النابوش) بضرورة إخلائهما، مع أن «المقيمين في البنايتين المكوّنتين من 20 شقة يقتصرون على عائلتين فقط، لأن معظم شققهما يستأجرها مصطافون»، حسب توضيح الحميصي.
هذا الانهيار الذي سبّب سقوط مبنى وتشرّد سكانه، مع الخوف من انهيار مبان أخرى في المنطقة وتشريد سكانها، طرح علامات استفهام كبيرة بشأن أسباب ما يحصل فيها وكيفية معالجة تداعياته، وخصوصاً بعدما كشف مصدر أمني، طلب عدم ذكر اسمه، لـ«الأخبار»، أنّ هوشر «تقدّم منذ فترة بدعوى ضد ع. هـ. لدى مخفر درك سير، واتهمه فيها بأن ما يقوم به من حفريات في المبنى الملاصق له (هذا المبنى كان مركزاً للتيار الوطني الحر في الضنية قبل أن يحرقه مناصرون لتيار المستقبل بعد أحداث 7 أيار 2008، ثم اشتراه منذ فترة ع. هـ. ونزع عنه أعلام التيار الوطني وصور ميشال عون، ورفع بدلاً منها أعلام تيار المستقبل وصور سعد الحريري) لتوسيع المدخل المؤدي إلى مرأب للسيارات خلف المبنى يقوم بتوسيعه أيضاً، هي السبب في تصدّع مبناه وانهياره».
وفيما غاب المدّعى عليه عن السمع لمعرفة رأيه في الموضوع وردّه على الاتهامات الموجهة إليه، فإن إسماعيل دياب، وهو جار آخر لهوشر، أكد أنّ «الحفريات المجاورة للمبنى هي السبب في انهياره»، في موازاة إشارة المصدر الأمني إلى أن المالك الجديد للمبنى المجاور لهوشر «كان قد استقدم مهندساً للكشف على المبنيين معاً يوم الأحد الماضي، وأن المهندس أكد للطرفين أن لا خطر يتهدد مبنيَيهما، لكن ما حصل أن مبنى انهار، والآخر تبيّن اليوم أنه قد مال إلى الخلف أكثر من 10 سنتيمترات، ما يجعلنا نتخوّف من تصدّعه وانهياره أيضاًغير أن رئيس بلدية سير راغب رعد أوضح لـ«الأخبار» أنّ «مبنى هوشر غير نظامي، ولكن تصدّعه وانهياره قد يكون سببهما وجود عمليات حفر وتأهيل في المبنى المجاور له، غير أن هذا الأمر ستكشفه اللجان المختصة من خبراء ومهندسين، التي يُنتظر أن تكشف عليه بإيعاز من الجهات المعنية في وزارة الاشغال»، مشيراً إلى أن انهيار المبنى «تبعه على الفور انهيار صخور من كتف الجبل الذي خلف المبنيَين معاً، ما أدى إلى تصدع أساسات مبنى هوشر، التي يبدو أنها غير قوية، وجعل آثار التصدّع تبدأ بالظهور عليه منذ يومين قبل انهياره».
في موازاة ذلك، أبدى رعد تخوفه من انهيار إضافي في كتف الجبل «الذي ظهرت فيه علامات تصدّع كبيرة وواضحة، ما يجعلنا نخشى من انهيارات إضافية»، ومعرباً في الوقت نفسه عن أمله في «إعادة فتح الطريق مجدّداً بعد إزالة الركام ورفعه منها».
وعن دور البلدية في ما يحصل منذ بداية النزاع بين هوشر وجاره، وفي الكشف على أعمال البناء والمخالفات، لفت رعد إلى أنه علم «أن هوشر اعترض على جاره وقال له إنّ ما تقوم به يهدد منزلي بالتصدع والانهيار، ورفع دعوى عليه في المخفر بعدما لم يتجاوب معه، لكنهما عملا لاحقاً بالتوافق بينهما على الإتيان بمهندس للكشف على المبنيَين، من غير أن أعرف ماذا حصل بينهما إلّا بعد ذلك».
في هذه الأثناء، سبّب انسداد الطريق المؤدية إلى بلدة سير، لجوء المواطنين إلى اعتماد طريق بديلة لدى صعودهم إلى بلدة بقاعصفرين المجاورة، ثم نزولهم منها بطريق فرعية نحوها، ومنها إلى بلدة بقرصونا المجاورة، لكون الطريق المؤدية إلى البلدتين واحدة ومشتركة.