شارك لبنان في المؤتمر الأخير لاتحاد نقابات المحامين في دول حوض البحر الأبيض المتوسط في المغرب. وفد نقابة محامي طرابلس ساهم في وضع ما يشبه «الفيتو» على انضمام إسرائيل إلى الاتحاد قبل التزامها بتنفيذ القرارات الدوليّة


عبد الكافي الصمد
عاد وفد نقابة المحامين في طرابلس والشمال مزهوّاً بما حقّقه من «إنجازات» مهمة على الصعيدين القانوني والسياسي، وذلك خلال الجمعية العمومية لاتحاد نقابات المحامين في دول حوض البحر الأبيض المتوسط التي عقدت في العاصمة المغربية الرباط، في السادس والعشرين والسابع والعشرين من آذار الجاري، بحضور وفود مثلت نقابات عدة من دول حوض البحر الأبيض المتوسط. نقابة محامي طرابلس مثّلت لبنان في المؤتمر بعد اعتذار نقابة بيروت عن عدم المشاركة، وأوضح نقيب محامي الشمال أنطوان عيروت لـ«الأخبار» أن ما حققه وفد النقابة في مؤتمر المغرب يمكن تلخيصه في ثلاث نقاط رئيسية، هي «أولاً التصديق على التعديلات المتعلقة ببعض مواد القانون الأساسي المقترحة من قبل اللجنة التنفيذية للاتحاد وعلى النظام الداخلي وعلى البرنامج المستقبلي الذي أعدّه الاتحاد»، أما النقطة الثانية فتتمثل بانتخاب عيروت منسقاً عاماً للاتحاد مع النقابات الآسيوية في شرق المتوسط بعد استحداث منسّقية بهذا الخصوص، «وثالثاً تأكيد الاتحاد، بعد مسعى منّا، رفضه انضمام إسرائيل إليه قبل التزامها بتحقيق السلام في المنطقة».
الوفد المشارك في المؤتمر تألف من النقيب عيروت ومفوض قصر العدل سمير حسن وأمين العلاقات العامة جوزف عبده (هؤلاء مثّلوا الوفد الرسمي) وأمين السر فهد المقدم وعضو النقابة ناظم العمر (عضوا الوفد المرافق). وفي مكتب عيروت في نقابة المحامين في طرابلس، كان النقيب وأعضاء الوفد يستقبلون المهنئين بعودتهم من المغرب على ما حققوه من إنجازات.
الاتحاد الذي أبصر النور في تشرين الأول عام 2009، جاء نتيجة تعاون إيطالي ـــــ مغربي مشترك كان من ثماره احتضان مدينة نابولي الإيطالية مقره الرئيسي، واستضافة العاصمة المغربية الرباط مقرّه المهني الذي جرى تدشينه خلال الجمعية العمومية الأخيرة للاتحاد. وقد جرى تقسيم النقابات المنتسبة إليه جغرافياً إلى مجموعتين، إحداهما تقع شمال المتوسط والأخرى جنوبه، لكن ذلك كان محل اعتراض نقابات دول شرق المتوسط ومنها لبنان، التي طلبت من رئاسة الاتحاد وفق عيروت «تعديل نظامه الأساسي واستبدال الأمانتين العامتين الحاليتين العائدتين إلى الضفتين الجنوبية والشمالية للمتوسط بمنسّقيّة عامة تضمّ ثلاثة فروع: شماليّة وجنوبية وشرقية، انطلاقاً من وجوب شمول دول آسيا المطلّة على شرق المتوسط بوضع مواز للآخرين داخل الاتحاد، لما لنقابات هذه الدول من علاقات متداخلة مع نقابات المحامين في الشرق الأوسط والخليج العربي وعمق آسيا».
بعدما نال هذا الاقتراح الموافقة، جرى طرحه في الجلسة الثانية للجمعية العمومية التي عقدت في اليوم التالي، ترشح عيروت للمنصب المستحدث بتنسيق ودعم من رئيس الاتحاد الإيطالي فرانشسيكو غايا ونائب رئيس الاتحاد المغربي محمد أقديم، ففاز النقيب اللبناني بالمنصب بإجماع المصوّتين، إضافة إلى حصول نقابة محامي طرابلس على رئاسة لجنة القانون الجزائي في الاتحاد خلال الجلسة التي عقدت لتوزيع اللجان الفرعية في الاتحاد على النقابات المشاركة في الجمعية العمومية.
وعن أهمية الاتحاد وجدوى انضمام لبنان إليه، أشار عيروت إلى أن «الهدف من إنشاء الاتحاد هو التواصل بين نقابات المحامين على ضفاف المتوسط، ودراسة القوانين التي تسود هذه المنطقة من مختلف الجوانب، وخلق نوع من التفاعل بين المحامين العاملين والمنتسبين إلى نقابات الدول المنضمّة إلى الاتحاد»، لافتاً إلى «الدور الذي سيقوم به الاتحاد مستقبلاً، والمتمثل بتفعيل العلاقات بين نقابات المحامين في الدول الأوروبية والآسيوية والأفريقية، وبخلق مؤسسات قانونية في الاتحاد تهتم بالوساطة والتحكيم والتدريب المهني المستمر، والتفاعل بين حضارات البحر الأبيض المتوسط بما يؤدي إلى تفعيل المؤسسات القانونيّة وتطويرها في كل من آسيا وأفريقيا وأوروبا»؛ مؤكّداً «وجوب تبادل الخبرات بين الدول الأعضاء في الاتّحاد الأوروبي والبلدان المتوسطية والهيئات الدولية، للقيام بمبادرات مشتركة في المجالات التي يَهدف الاتحاد إلى تنفيذها».
ورغم أن مصر لم تنضمّ بعد إلى الاتحاد، فإن وفداً ممثّلاً لنقابة المحامين المصريين حضر الجمعية العمومية الأخيرة، الأمر الذي اعتبره عيروت «موافقة مصرية ضمنيّة على الانتساب إلى الاتحاد». من جهة ثانية أكد عيروت أن المناقشات الجانبية التي طرح فيها بعض الحاضرين مسألة «انضمام إسرائيل إلى الاتحاد حسمت برفض ذلك رفضاً نهائيّاً». وقد أوضح نقيب محامي الشمال أن «انضمام أي دولة جديدة إلى الاتحاد بات يحتاج بعد التعديلات الأخيرة إلى موافقة جميع أعضاء الهيئة المركزية للاتحاد، وبما أننا داخل هذه الهيئة، فإن قرار انضمام إسرائيل إلى الاتحاد لا يمكنه أن يمر».
وكشف عيروت أنه شرح موقف النقابة ولبنان من مسألة انضمام إسرائيل إلى الاتحاد خلال لقاء تلفزيوني أجرته معه القناة المغربية الأولى، وأكد فيه أن «أغلب المشاركين في أعمال الجمعية العمومية، إضافة إلى من سينتسب إلى الاتحاد لاحقاً، يرفضون انضمام إسرائيل له، لأنه لا يجوز أن يكون هذا العدو التاريخي موجوداً في الاتحاد قبل التزامه بتحقيق السلام العادل والشامل والنهائي في منطقة الشرق الأوسط، وقبل تنفيذه جميع قرارات الشرعية الدولية تنفيذاً جدياً وكاملاً، وعلى رأسها قرار حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى بلادهم وأراضيهم، الصادر منذ


عيروت يؤكّد أن قرار انضمام إسرائيل إلى الاتحاد لا يمكنه أن يمرّ
أكثر من 60 سنة، والانسحاب من جميع الأراضي المحتلة».
وأشار عيروت إلى أن نقيب محامي المغرب محمد أقديم حسم هذا الأمر في الكلمة التي ألقاها في الجلسة الافتتاحية، بتشديده على «رفض الاتحاد المطلق لانتساب إسرائيل إليه قبل حلول السلام العادل والشامل في الشرق الأوسط»، ولفت إلى أن الدول الأوروبية المشاركة «لم تطرح موضوع انضمام إسرائيل إلى الاتحاد مباشرة، لأنه بعد تأكيدنا مع أطراف عربية وأوروبية أخرى مشاركة في اجتماع الرباط أن عدم التزام إسرائيل بالشرعية الدولية، وعدم قيام هذه الشرعية بمحاسبة إسرائيل على الجرائم التي ارتكبتها وترتكبها بحق الإنسانية، باتت مناقشة هذا الموضوع رسمياً وعلناً غير ممكنة البتة».
يُذكر أن «اتحاد نقابات المحامين في البحر الأبيض المتوسط» هو ـــــ وفق ما جاء في نظامه الداخلي ـــــ «جمعيّة لا تتوخى الربح ولا علاقة لها بالسياسة، وتعمل بالخصوص على تشجيع مبادئ الديموقراطية واحترامها، وتلافي كل أشكال التمييز والدفاع عن كرامة الإنسان، متساوية مع المقارنة بين أفكار وتجارب هيئات المحامين والمؤسسات المحلية والوطنية والدولية والأوروبية في منطقة البحر الأبيض المتوسط على وجه التحديد».


محطّات من المواجهات القانونيّة

تشارك نقابة محامي طرابلس والشمال بفاعلية في عدد من النشاطات والتحركات القانونية ضد إسرائيل، وقد أعلن النقيب أنطوان عيروت قبل شهور عن هذه التحركات، ومنها التعاون مع نقابة بيروت، ونقابة محامي فلسطين واتحاد المحامين العرب في إطار مشروع يرمي إلى «رفع دعوى ضد العدو الإسرائيلي أمام محكمة الجنايات الدولية، بالطلب إلى المدعي العام في المحكمة المذكورة إحالة جريمة الإبادة الجماعية المرتكبة بحق أهالي غزة، والتعرض للمدنيين، على المحكمة الجنائية».
نقيب المحامين كان قد أعلن لـ«الأخبار» أنه «إذا استطعنا توثيق جرائم إسرائيل في غزة وملاحقة مرتكبيها، نكون قد حققنا نقلة نوعية؛ لأنه منذ 60 عاماً لم يتحرك أي طرف حكومي أو مدني للادّعاء على إسرائيل ومحاسبتها، ولو حدث ذلك خلال الفترة السابقة لكانت فلسطين بألف خير».
وفي هذا الإطار يمكن إدارج «الإنجازات» التي ساهم الوفد اللبناني في المؤتمر الأخير لاتحاد نقابات المحامين في المتوسط في تحقيقها لناحية التصدي لمشاركة إسرائيلية في الاتحاد.