الصيف على الأبواب، والشباب متلهّفون للسهر في أمكنتهم المحبّبة. ورغم غضب أهالي الجمّيزة قبل أيام، إلا أنهم لا يبدون آبهين بصرخة السكان. فقدوا وسط المدينة، فلجأوا إلى مونو. فقدوا مونو، فلجأوا إلى الجمّيزة! هل أصبحت بيروت «عاصمة عالميّة»... للسهر؟


جنين سليمان
الجمّيزة: منطقة سكنيّة. اللافتات الزرقاء الرسمية المنتشرة في أكثر من مكان في المنطقة تشير إلى ذلك. البيوت ذات الطابع الأثري تعزز هذه الفرضية أيضاً. هل هذا تحذير مسبّق؟ يكاد الأمر أن يبدد الصورة النمطيّة الشائعة عن الجمّيزة التي تسرح فيها الحانات وتمرح. ورغم أن الشرفات الملونة القديمة لا تحتضن سكاناً في أغلب الأوقات، إلا أن الحقيقة معاكسة. فهناك قاطنون في أحياء الحانات تلك. وحدها الأبواب، تدلّك على هوية المنطقة الحقيقية.
بعد الثامنة مساءً، تأخذ المدينة شكلها الطبيعي.
تحتلها مجموعات الشباب المتهافتين على الحانات المنتشرة. ضجيج ما بعده ضجيج، ومنذ عامين، لا يعرف موسماً. الشباب يجدون ضالّة مفقودة في تلك الأحياء العتيقة. لماذا الجمّيزة؟ لا إجابة واضحة عند معظمهم. حدث الغزو، فغزوا. دخلوها على غفلةٍ من «مونو»، إذ إنه عند الحديث عن الجمّيزة، لا يمكن تجاهل واقع شارع السهر الأول. روني، أحد روّاد العاصمة الأسبوعيين، وأكثر. هو، على حد وصفه، كائنٌ لا يمكنه العيش بلا حانات. كان الأخير ضيفاً روتينياً على مونو، شارع السهر في الأشرفية. الضجيج فعل مفرح له. الزحمة ترضي بحثه المتواصل عن حياة الليل، وتمحو رتابة العمل اليومي. إذاً، الزحمة صفة ضرورية في المكان كي يستوفي شروط السهر. وفعلاً، كان مونو كذلك. لا يذكر الشاب العشريني تفاصيل «ثورة الحانات» في مونو، وكيف بدأت، إنما يذكر ذوبان شعلة الشارع. وجد نفسه تلقائياً، بعد مرور سنة ونصف من الازدهار في الأشرفية، مدمناً على الجمّيزة. سالم، العشريني الآخر، يملك التفاصيل. كان الأخير مديراً لإحدى الحانات في مونو. يسرد قصته بهدوء. كان مديراً ومدمناً على السهر في الوقت عينه. برأي سالم: في البدء كان مونو. ما يبحث عنه الشاب اللبناني المأخوذ بالنمط الغربي في العيش. موسيقى صاخبة... وجيدة. مساحة تتيح لأبناء الطبقة الوسطى الاختلاط مع طبقاتٍ أعلى اقتصادياً. كحول وفتيات وسيارات وكل شيء. فجأة، صار مونو شارعاً رتيباً. وعلى ذمة سالم، كثّفت قوى الأمن دورياتها في المكان. كثرة الأمن تزعج الشباب وتفسد سهراتهم. ثم جاءت الحفريات. تداعى كل شيء تدريجاً. راح بريق مونو يضيع شيئاً فشيئاً. سالم، وروني، وغيرهما كثر، يؤمنون بوجود «مؤامرة» ضد مونو. لكنهم، في هذه المعمعة، فضّلوا البحث عن بديل يكسر الروتين، عن شيء جديد. نارمين مثلاً، لم ترغب في الخوض بكل هذه التفاصيل. وبما أن خيار البحث عن معارك بالنسبة إلى مستهلكي السهر لم يكن وارداً، ذاب مونو.
في ذلك الوقت، كانت الجمّيزة تنمو على خاصرة وسط المدينة. باسكال لا يمكنها أن تسهر في وسط المدينة. الجو لا يناسبها هناك. تكره المطاعم الكبيرة والجو التجاري الطاغي على المكان. ليس من جاز، أو سالسا، والحانات باهظة الثمن. هكذا، صارت الجمّيزة مكاناً بديلاً بديهياً لها. ميريام، إحدى الساهرات الدائمات في بيروت، مثلها، غير معنيّة بالسجال الدائر حول جدوى السهر في الحانات الحديثة الطابع. ولكن، بالنسبة إليها، كان شارع الحمراء هو البديل. مسحورة هي بشارع الحمراء. تحب الأرصفة والأشجار هناك... والناس أيضاً. الأمكنة الأخرى، حتى الآن، لا تشبهها إطلاقاً.
باسكال صورة مصغّرة، عن العشرات من أولئك الذين تظاهر الأهالي ضدهم قبل ثلاثة أيام. خرج أهالي الجمّيزة عن صمتهم منذ ثلاثة أيام. لكن، في خضم هذه «المعركة»، الشباب ليسوا في وارد الصمت أبداً. تؤكد كاتيا ذلك. تستغرب انزعاج المواطنين «من بعض الساهرين». ولا تلبث أن تعمم تحليلاتها السياسية على الواقع الاجتماعي الصرف. برأيها، هذا يؤثر على «ثقافة الحياة التي ينعم بها اللبنانيون أخيراً». لا يوافقها حسن في ذلك. حسن يأتي من مذهب سياسي مناقض، لكن لا، ليس اجتماعياً. «الشباب هم الشباب والليل هو الليل»، يعلل الطالب في الجامعة الأميركية، ثم يستفيض في شرح وجهة نظره، مستبعداً أي عوامل سياسية. يريد أن يسهر هو الآخر. الجمّيزة وفّرت له متعته. يذكر جيداً علاقته بالمكان. كان يسأل الأصدقاء بدايةً عن الخيارات المطروحة. الحمراء منطقة لا تناسب ذوقهم «وفيها الكثير من المثقفين». الأشرفية ووسط المدينة «محتكرتان من طبقات محددة وتأخذ طابعاً رسمياً». مونو «عم يصَوفر». الجبل والكسليك والمناطق المشابهة بعيدة وليست في متناول صفائح البنزين المستمرة في الارتفاع. لاحقاً، صارت الجمّيزة مكاناً عادياً. أصبحت على ما هي عليه الآن: مدينة الحانات، رغم أن سكانها محرومون من النوم، ورغم أن الكثيرين، مثل مارسيل، سئموا الاضطرار اليومي إلى النوم في بيوت أهلهم البعيدة (كسروان في حالتها) كلما عادت إلى الجميزة حيث يسكنون، ولم يجدوا مكاناً يركنون فيه سياراتهم!




ناشد أهالي الجمّيزة في اعتصامهم الأخير، وزير الداخلية والبلديات زياد بارود، فتح موقف السيارات في مرأب شارل حلو بأسرع وقت، علماً بأن الوزير كان قد اتخذ قراراً في نهاية العام الفائت بالأمر، لكنه لم ينفّذ لأسباب مجهولة




وعد وزير السياحة فادي عبود بإغلاق جميع الحانات غير المستوفية للشروط القانونية. لكن بعض سكان الجمّيزة أشاروا إلى أن الحانات تراعي الشروط القانونية المطلوبة، وأن المشكلة تكمن في الأصوات التي يصدرها الشباب خلال حركة دخولهم وخروجهم الكثيفة.