ليس صدفة أن يقع عيد الأم في الحادي والعشرين من آذار، يوم ولادة الطبيعة بعد مخاض الشتاء. يوم تبدأ براعم الأزهار بالتفتح لتُعطي الحياة لوناً ورائحة. الأمُّ هي الهيئة الإنسانية لتلك الطبيعة بفصولها الأربعة، ولهذا قلنا أمُّنا الطبيعة. تُنجب، تروي، تحضن حتى وقت النضج فالحصاد، ثم الموت والولادة من جديد


شهيرة سلّوم
التصقت كلُّ صفات الحياة وما تحمله من رعاية ومحبة وحنان وكدٍّ بالأمِّ. لكن أحياناً تكون تلك الأمُّ ظالمة! نعرفُ أمّاً لا تنام قبل أن يغفو أبناؤها، وأوّل ما تصحو تهرع إليهم. تراقبهم يكبرون أمامها، تكاد عيناها تجحظان من كثرة النظر إليهم وترافقهم بالدعاء أينما حلّوا وما هنالك من صفات لـ«أجمل الأمهات». لكننا نعرفُ أمّاً تكره أطفالها وتتمنى موتهم، ونعرفُ أبناءً وبناتٍ يكرهون، أو أقلّه لا يكنّون أي مشاعر لأمهاتهم، بعضهم حتى موت الأم لم يشفع لها عندهم فيغفروا لها.
حزين أن يُثار في هذا الوقت، وفي أي وقت، هذا الموضوع عن الأمِّ. لكنّه منتشر حولنا وبكثرة. هذه جلسة جمعت أربع نساء، زينب وسوزي وتغريد واستمعت إليهنّ بدهشة سهى.

زينب، أمُّ لثلاث بنات، أكبرهنّ 4 أعوام وتوأمان 3 أعوام.

ماذا تعنين بأحبهنّ؟ أجل أحبهنّ إن كان القصد رعايتهنّ إن مرضن. لأنهنّ أطفالي، إنه واجب الأمومة. لم تكن مشاعري كذلك، كنت أحبهنّ كثيراً، لكن لم أعد أشعر بهذه اللهفة. كرهته فكرهت بناته الثلاث إلى حد أنني أحياناً، وفي لحظات يأس، تمنيت لو أنهنّ يمتن أو أقتلهنّ وأخفي آثار الجريمة.
هو السبب، لا يخاف عليّ. ليس رجلاً، لا يسأل ولا يغار عليّ. لا يسأل من أين أتيت بالمال أو أين ذهبت؟ لا يهتم. جلَّ ما يهمّه أن يأكل وينام ويلعب الورق مع أصحابه. نعم يحب أن يمارس الجنس معي، لكنني لا احتمل أن يمسّني، وإن اقترب مني أشعر أنه يريد اغتصابي. تُقاطع صديقتها سوزي: أنا أعرفه وواثقة من أنها إذا أعطته ما يريد فسينفق عليها من غير حدود، وسيعامل الفتيات بطريقة جيدة.
تتابع زينب. أقول له: اخرس، أكرهك، يضحك كالعاهرات. لامبالاته تقتلني. الجنس علاقة عابرة في حياتنا، لكنه يشبع ملذاته في الخارج، في الملاهي الليلية. لا يهمّني، لا أغار ولا أكترث.
لم يرحم ابنته الصغيرة. يكرهها لا أعلم لماذا؟ مع أنها أكثر من يشبهه. ضربها مرة وأدخلها إلى المستشفى لأكثر من 15 يوماً. لم تكن قد أكملت حينها عامها الأول. كانت تصرخ من وراء الباب، أزعجه صوتها، أتته الفرصة يريد أن يضربها. ضرب الباب بقوة فأوقعها أرضاً، ثم تناولها من رجليها وراح يضرب رأسها على الأرض مرّةً تلو المرّة. سمعتُ صراخها كأنه روح تُنتزع من جسد ضعيف. ركضت، فلاقاني عند منتصف الطريق، رماني بلينا الصغيرة، وقال: خذي ابنتك ماتت. نظرت إلى عينيها رأيتهما يغزلان، ومن فمها تخرج رغوةٌ. حملتُها هارعةً إلى المستشفى. هو اتصل بأخي ليخبره لين ماتت بدمٍ بارد. لكنّها نجت. كلّ عام نجري لها معاينة بسبب النزف الذي أحدثته الواقعة في رأسها. الآن كيف يلاعبها؟ يستمتع بإرعابها، يقول لي: انظري كيف تخاف حين أدّعي أنني أرميها.
نعم، تأثرت بما حدث مع لينا، لكني عُدتُ وكرهتهنّ لأنهنّ منه. قتل إحساسي في كل مرة كان يضربهنّ. عندما أنظر إليهنّ أتذكره. أخذن أطباعه، يصرخن ويلعبن بعنف مثله. الصغيرة ترفع صوتها وتردُّ لي الصاع. لكني أعترف بأنني لا أقضي معهن وقتاً طويلاً. نادراً ما أحملهنّ أو أقبلهنّ أو أشمهنّ. في يومٍ رأيت جنا (الكبيرة) واقفة على باب غرفتي ليلاً، تقول لي بنظراتها دعيني أنام بحضنك. سمحت لها. لكني لم أشعر بشيء، لا لهفة ولا إحساس ولا شيء.
(تعود إلى الحديث عن زوجها) لا أحتمل أن أكون معه في المنزل نفسه، إن دخل خرجت، وإن اضطررت لأن أسير في الشوارع ساعات. أمي تحبني، طبعاً، أهلي جميعهم أحبهم، هم من ينفقون على عائلتي. الطلاق لا يمكن. لا أستطيع أن أعيش في بيت أبي. تعودت على الحرية، أخرج كيفما أشاء وأينما أشاء، وأهرب إلى حيثما أشاء، هذا محال عند عائلتي.

سوزي، مطلّقة وأمّ لصبي يبلغ 7 سنوات تُشعل سيجارتها وتسرد حكايتها.

أمي ماتت. أترحم عليها، لكن حتى موتها لم يدفع بي إلى حبّها أو الاشتياق إليها. نعم كرهتها. كانت قاسية لا تحبنا. كانت تستمتع بضربنا. وحين كبرن، كانت تحرّض أخي الكبير على ضربنا، ثم تُشعل تلك السيجارة وتستمتع بتعذيبنا. لا أدري إن احبّتنا على طريقتها الخاصة. كانت تقول أريد أن أربّيكم على الحياة القاسية.
أكثر ما أكره فيها أنها زرعت البغض بيننا، نحن الإخوة التسعة. لأنها كانت تفرق في المعاملة بيننا. تُطعم واحداً وتترك الآخر جائعاً. تقول لأنها تحب الأول أكثر. كرهنا بعضنا وهي السبب. وفي كل مرّة نتقاتل بعضنا مع بعض أتذكرها، تركت لنا تذكاراً بعد موتها، كي تبقى أفعالها الشنيعة حيّة بيننا. ابني أموت لأجله. هو كل حياتي، أحبّه على قدر ما كرهتها.

تغريد، مهندسة مدنية وميكانيكية

لا أكرهها. كل ما تعنيه لي أنها أتت بي إلى هذه الحياة. كنت أشعر نحوها باللهفة. اليوم لا. كان ذلك في عمر المراهقة، لم تكن بجانبي. اشتقت إليها. تمنّيتها إلى جانبي، لم تكن تتصل. كنت أراها في حلمي فأجتمع مع الله سرّاً وأطلب منه أن يحضرها لي، فيعدني بأن يفعل. أحياناً كان حلمي يصبح حقيقة. وأحياناً تضربني الخيبة.
الصدمة حين كبرتُ. كنت قد رسمت تلك الصورة المثالية عن الأم في أحلامي. تشبه تلك التي نقرأها في القصص والروايات، عن العطاء والمحبة والتضحية والحنان. أمٌ تحبك وتدمع عيناها اشتياقاً لك، كي تغمرك وتشمّك وتحميك وتقبّل رأسك. تنصدم أن هذا الملاك يريد تحميلك مسؤولية أخطائه؛ تلومونني لأنها أنجبتني! لأننا نذكّرها بماضٍ تكرهه، أنا وأختي وأخي.
أين كان عقلها حين كانت تمارس الجنس مع أبي كي تحضرنا إلى الحياة؟ لماذا تُهين من ربّانا وكبّرَنا وحمانا؟ ولم يسأل من يكون الجزء الآخر الذي ينمو فينا، يكفي أن جزءاً منه فينا، جزءٌ من ماضٍ قد يحمل له بعض الندم، لكنه أنجب حياة نمت وكبرت أمام عينيه حتى تملّكت روحه.
أغصُّ حين أتذكرها، حرمتني الحياة الطبيعية، أن أكون برفقة أمّ أشكو لها. لماذا أذهب إليها؟ لأنها أمي، لأن واجبي وديني يُمليان عليّ أن أُداريها وأحتملها. لكن الدقائق معها تمضي كأنها دهر. أشعر بالاختناق. لا تحبّ أن أراني فتاة مثيرة تجذب الأنظار. تريد هذه المشاعر أن تكون لها وحدها. أن تكون وحدها الجميلة والمثيرة، لا تحتمل أن ابنتها الصغيرة كبرت وأصبحت امرأة تُغري الرجال بمفاتنها. العمل، المال، تريدني أن أقطف كل شيء وأعطيها حصة باسم أنها أمي. يا لوقاحتها! تريد أن تحصد ما زرع أبي بعد أعوام من الهجرة، وبعدما اغتالت ملاك خيالي. هي امرأة مادية، ليست من خمّنت وحلمت بأنها أمي. أمي شخص عاش ومات في خيالي فقط، ظننته حياً، لكنني أدركت أنه خيال، من صنع أحلامي وأمنياتي.
أبي عوّض علينا غياب الأمّ، عهدٌ عليّ ما دمت حيّة أنها لن تحصد أبداً ما زرع هو. سأذهب إليها في عيدها هذا العام أيضاً، سأحمل إليها الأزهار كالعادة، سأقول لها كل عام وأنت بخير يا ماما، لكنه عيدك يا أبي، فكل عام وأنت بخير يا بابا.

سهى، أمٌّ لفتاة وابنين اثنين، مشدوهة من كلام زينب. هي أرملة وتعمل ممرضة، سهرت ليالي في العمل كي تستطيع تأمين مصاريف أولادها وتعليمهم وتعيش لأجلهم.

مُحال، كيف هذا، أيعقل أنك لا تشعرين بشيء؟ كيف؟ تمسك الهاتف وتتصل بابنتها، أحبّك يا ابنتي، أين أنت؟ تعالي الآن. وهكذا مع ابنها المتزوّج والصغير الآخر.