نفذت بلدية تعلبايا (قضاء زحلة) قراراً إدارياً صادراً عن محافظ البقاع بهدم منزل سكني مأهول، بناءً على طلب صاحب عقار مجاور. القرار نُفّذ بسرعة البرق، ولم يُكن مسنداً إلى أي مادة قانونية أو معلّلاً، وتضمّن مجموعة من المخالفات


عفيف دياب
«لقد حضر ضابط من الجيش اللبناني ومعه جرافة، وأشرف على تهديم منزلي ومحتوياته»، يقول محمد علي أبو حمدان (65 عاماً) الذي بات ليلته الثانية (أول من أمس) في العراء مع أسرته المكوّنة من 12 شخصاً في منطقة تعلبايا العقارية (قضاء زحلة)، في محلة تعرف بجلالا، بعد تهديم منزله المؤلف من 3 غرف، يقطنه منذ أكثر من عقدين. أبو حمدان غادر بلدة كفرشيما خلال الحرب الأهلية، بعد أن كان عاملاً في معمل غندور، وهو حالياً عامل يومي بأجر يقدّر بنحو عشرة دولارات، ويقول «منذ عدة أيام جاء ا. ز. ومعه ابنه الضابط في الجيش اللبناني وقالا لي إنني متعدّ على قطعة أرض تخصّهما، فقلت لهما إذا ثبت أن لكما حقوقاً عندي فأنا جاهز لأي أمر تريدونه، وغادرا على أساس إجراء المقتضى القانوني. إلا أنني فوجئت قبل يومين حين عدت من عملي بمنزلي مهدماً على كل محتوياته»، ويضيف «غادرت زوجتي المنزل لشراء بعض الحاجيات، وبعد مغادرتها بلحظات حضر الضابط بسيارته العسكرية ومعه جنود وشرطة بلدية تعلبايا، ترافقهم جرافة، حيث أعطى الضابط الأمر ببدء تدمير المنزل بحجة أن والده استحصل على أمر من محافظ البقاع القاضي أنطوان سليمان بإزالة المنزل الذي لا تتجاوز مساحته مئة متر مربع».
رواية أبو حمدان عن تهديم منزله يدعمها بعض المتابعين للملف، الذي يبدو أن مجموعة من الأخطاء ارتكبها محافظ البقاع القاضي أنطوان سليمان وبلدية تعلبايا إضافة إلى استغلال الضابط لموقعه العسكري. فالملف الذي سيأخذ مجراه القانوني بدءاً من اليوم الاثنين، لم تجد مراجع رسمية في البقاع تفسيرات له تدعم قرار تهديم المنزل بما يحتوي من أثاث، «حتى لو كان صاحب المنزل مخالفاً أو معتدياً على عقار آخر، أو مقيماً في منزل بصورة غير شرعية. فالقرار الإداري الصادر عن محافظ البقاع لا يعطي الحق لأحد بانتهاك حرمة منزل وتدميره».

البلدية تلقّت قراراً من المحافظ بإزالة التعدّي، ثم طلب وقف التنفيذ
يقول خبراء قانونيون إن قرار هدم المنزل «صادر من دون تعليل أو كشف ميداني، رغم صرخة أبو حمدان بأن يترك المجال للقضاء ليقول كلمته، ما يؤشر إلى وجود استغلال للسلطة من قبل معنيين بالملف، إضافة إلى قضايا أخرى مخالفة للقوانين المرعية الإجراء، ما يستدعي تدخّل القضاء ووضع يده على الملف ومحاسبة المخالفين الذين ارتكبوا أفعالاً لا تختلف عن قرارات المحاكم العرفية»، ويضيفون «إن حادث تهديم المنزل المأهول في تعلبايا تحوم حوله شبهات متعددة ومتنوعة. ثلاث جهات ارتكبت مخالفات، وهي بلدية تعلبايا، ومحافظ البقاع أنطوان سليمان، والتدخّل السافر للضابط الذي استغل موقعه. هؤلاء أسهموا كلّ حسب موقعه في تهديم منزل مأهول منذ أكثر من 20 سنة، وتدمير محتوياته قبل أقل من أسبوع من موعد تقديم طلب إزالة التعدّي». ويلفت القانونيون إلى «وجود عشرات الطلبات المماثلة في مكتب محافظ البقاع، ولم تُبتّ منذ سنوات، أو لم تُؤخذ قرارات بالهدم والتدمير قبل إعطاء الوقت الكافي للإخلاء إذا كان شاغل العقار مخالفاً لكل القوانين المرعية الإجراء. ولكن في حالة أبو حمدان، الأمر مختلف تماماً. فهو مقيم على عقار كان قد اشتراه منذ سنين، ولا أدلة على وجود مخالفة أو حتى ادّعاء ما في حقّه».
هذا الملف سيتحول إلى قضية قضائية ويستدعي تحقيقاً أيضاً من الجيش اللبناني، بسبب اتهام أحد ضباطه باستغلال موقعه.
في 8 آذار الجاري، تقدم أ. ز. بمعاملة لدى بلدية تعلبايا، يطلب فيها إزالة تعدّ عن العقار الرقم 1804. أحالت البلدية الطلب على مكتب محافظ البقاع القاضي أنطوان سليمان، وفي 9 الجاري حضر ابن صاحب الطلب، وأخذ المعاملة باليد ـــــ ما يمثّل مخالفة قانونية ـــــ وذلك عند الساعة الثانية والربع، أي بعد انتهاء الدوام الرسمي، حيث سلّم سائق المحافظ م. ع. قرار المحافظ الذي يطلب فيه من رئيس بلدية تعلبايا اتخاذ الإجراءات القانونية لإزالة المخالفة و«طلب المؤازرة عند اللزوم، وإفادتنا بعد التنفيذ». متابعون للملف يلفتون إلى أن نجل صاحب الطلب، الضابط في الجيش اللبناني، أحضر المعاملة إلى البلدية وحاول تنفيذ القرار الإداري مساء يوم 9 آذار، ولكن صاحب المنزل طلب من وسطاء مراجعة محافظ البقاع، فأخذوا منه وعداً بإبلاغ البلدية وقف قرار الهدم لحين إظهار الحدود بين العقارين رسمياً وقانوناً من دائرة المساحة، وقد أبلغ المحافظ بلدية تعلبايا بذلك رسمياً في 12 الشهر الجاري، حيث جاء في وثيقة إحالة المحافظ على البلدية ما يأتي: «عطفاً على إيداعنا الرقم 597/ ش. م. تاريخ 9/3/2010 (موضوع مراسلتكم الرقم 241 تاريخ 8/3/2010) إيداعنا المعاملة دون تنفيذ على أن تسلم إلى المحافظة بتاريخ 13/3/2010 صباحا».
قرار محافظ البقاع الأول القاضي بإزالة التعدّي (إذا كان موجوداً أو قائماً) ومن ثم الرجوع عن قراره وطلب وقف التنفيذ، استُكمل بطلب ثالث يقضي بتنفيذ إزالة التعدّي وفق ما أبلغ رئيس بلدية تعلبايا فهد أبو خليل «الأخبار»، الذي قال إن البلدية «تلقّت قراراً من المحافظ بإزالة التعدّي، ثم طلب منا وقف التنفيذ، وهذا ما حصل، إلى أن تلقّينا قراراً آخر يؤكد الإحالة السابقة، ويطلب إزالة التعدّي، وهذا ما جرى يوم 18 الجاري». ويؤكد رئيس البلدية أن بلديته «أشرفت على عملية إزالة التعدّي وتهديم المنزل الذي كان خالياً من أي أثاث، وقد طلبت التأكد من إخلاء المنزل وما يحويه قبل تنفيذ القرار، وهذا ما حصل». أبو خليل تحدث عن «الجانب الإنساني في القضية، ولكن القانون يلزم الجميع، وقد جرت وساطات بين ساكن المنزل وأصحاب العقار لحلّ القضية حبّياً، ولكنها مُنيت بالفشل، كما جرت مفاوضات بين الطرفين لإزالة التعدّي، وللأسف لم تصل إلى نتيجة، فحصل ما حصل».
المحامي محمد أبو حمدان يصف قرار هدم المنزل «فجأة» بأنه غير قانوني، و«على الدولة أن تتحمل مسؤولية القرارات الخاطئة الصادرة عن موظفيها سنداً للمادة 64 من قانون الموظفين». ويؤكد المحامي أن الدستور كفل حماية الملكية الخاصة، وكفل حرية التقاضي وحق الشخص في أن يُعطى الوقت للدفاع عن حقوقه وفق القوانين المرعية الإجراء، «ما حصل، للأسف، لم يراع حقوق المواطن من جميع الجوانب. إنّ قرار إزالة التعدّي، إذا ثبت وجوده، يفتقد الإسناد القانوني وعدم مراعاة الأصول لجهة النشر والتبليغ، وبالتالي فإن تنفيذ إزالة التعدّي المزعوم يعدّ مخالفة قانونية كبرى، ولا سيما أن المحافظ لم يعلّل قراره، غير المسند أيضاً إلى أي مادة قانونية أو كشف ميداني، رغم صرخة المواطن بأن يترك المجال للقضاء ليقول كلمته». المحامي أبو حمدان لفت إلى أن صاحب المنزل المهدّم «اشتراه قبل 20 سنة، وكان يعيش فيه سلمياً من دون منازعة أو مخاصمة مع أحد، وإذا كان معتدياً على عقار مجاور فلماذا لم يقدم أصحابه على طلب إزالة التعدّي قبل20 سنة؟».


ورقة الطوبوغراف مخالفة للواقع؟

تقدّم صاحب المنزل المهدّم محمد علي أبو حمدان في 11 آذار الجاري بطلب اعتراض لمحافظ البقاع يطلب فيه وقف تنفيذ قرار تدمير منزله. ويقول في طلبه إنه «على مالك العقار 1804 أن يؤكد صحة مطلبه بطريقة قانونية وأن يرفق مستندات ووثائق قانونية ورسمية دقيقة، ولا يجوز الأخذ بورقة الطوبوغراف المرفقة التي لا تحمل أي وجه رسمي، ولا سيما أنها غير مسجلة في النقابة وغير مؤرخة وغير واضحة وغير شاملة، وهي مخالفة للواقع، إذ أغفلت الكثير من الوقائع الموجودة على الأرض (...)، كذلك فإن بلدية تعلبايا طلبت مني إزالة بيتي من دون مهلة، مع العلم بأن قرار سعادتكم يتعلّق بإزالة مخالفة لا بهدم منزل سكني». ويتابع أبو حمدان في طلبه أن «مطالب المستدعي غير واقعية وغير قانونية وغير مستندة إلى أوراق ثبوتية صادرة عن المراجع الرسمية مثل دائرة المساحة، حيث إن منزلي لا يقع في العقار 1804، وأنا مستعد لما يفرضه القانون»، لافتاً إلى أن البلدية نفّذت محضراً في حقه بتاريخ 5/6/1991 يشير إلى أن المنزل يقع على حدود العقار المذكور لا داخله.