توقيت الوضع في الصيف بات الشغل الشاغل لمعظم المعلمات المتعاقدات في التعليم الرسمي، المحرومات من إجازة الأمومة. فبعض هؤلاء يتمسكن بأسى بمصدر رزقهن، فيما لا تستبدل أخريات ساعة حنان يمنحنها لأولادهن بمال الدنيا


الزهراني ــ آمال خليل
«ظبطت» معها منيرة أبو جخ جزئياً لأنّ موعد ولادتها المقرر لطفلها الأول سيكون في بداية شهر أيلول المقبل. وعليه ستنعم الأم ورضيعها بأكثر من شهر عطلة يسبق بدء العام الدراسي في متوسطة البيسارية الرسمية، حيث تعمل مدرسّة متعاقدة بالساعة في التعليم الأساسي. لكن منيرة تدرك هول المأزق الذي سيحل بها فور التحاقها بعملها، في الوقت الذي لا يزال فيه طفلها بحاجة ماسة إليها. تخشى الوالدة أن تضطر لوضع مولودها في حضانة لكون والدتها تعيش بعيدةً عنها، فيما تعجز حماتها المريضة عن الاهتمام به. لكن لماذا لا تترك الوظيفة لتتفرغ له؟ تقول منيرة بغصة إنها إذا استغنت عن مصدر رزقها «فإن حاجيات كثيرة ستنقصه».
تختلف مواعيد وضع زميلات منيرة الحوامل في المدرسة، ما بين أشهر التدريس وأشهر العطلة الصيفية الثلاثة. تقر المعلمات الأمهات بأن «الموعد لا يحدده إلا الله الذي سيمنحنا الحمل وإن سعينا إلى توقيته مع العطل». ضرورة ارتباط الوضع مع العطل له خصوصيته بين المعلمات المتعاقدات. أما السبب؟ فلأن منيرة وغنوة ورؤى وزميلاتهن المتعاقدات في التعليم الرسمي لا تعطيهن الدولة إجازة أمومة على غرار معلمات الملاك المثبتات اللواتي يحظين بـ60 يوماً إجازة أمومة، فضلاً عن الإجازات المرضية والأذونات الاضطرارية المأجورة. ولأنّ العطلة «قد ما بدهن بس على حسابهن، يعني مش كتير بتوفّي لأن ما بنقبض عليهن»، كما يشرن استناداً إلى مبدأ التعاقد القائم على الأجر مقابل العمل، تسعى المتزوجات إلى مزامنة الوضع مع العطل الطويلة، وتحديداً العطلة الصيفية، لأن أيام الغياب في أوقات الدوام الفعلي تحسم من أجرهن. وهنا، تستذكر أمهات المستقبل ما حصل مع زميلة لهن اختصرت عطلتها حتى لا تخسر الكثير من الأجر والتحقت بالدوام بعد سبعة أيام على الرغم من أنها خضعت لعملية قيصرية. الأمر الذي سبب لها لاحقاً مضاعفات صحية خطرة كادت تودي بحياتها.
المعلمة اعتدال خليل لم تحسب موعد حملها وبالتالي وضعها مع أولادها الثلاثة، إلا أنها شعرت بالفرق مع إنجابها الثالث. فقد وَلدت في منتصف شهر أيار حين ينصرف الأساتذة والطلاب لمراجعة المنهج الدراسي والتحضير للامتحانات النهائية ثم العطلة الصيفية. الأمر الذي مكّنها من ملازمة طفلتها ورعايتها لحوالى أربعة أشهر، ما انعكس إيجاباً على صحتها وصحة الطفلة، كما انعكس إيجاباً على وضعها المادي، اذ لم تخسر أجر يومٍ واحد. أما الطفلان الآخران، فقد عانيا من مشاكل صحية عدة لأنها كانت تودعهما في رعاية والدتها، وتبذل يومياً جهداً مضاعفاً بين التعليم والتنقل بين مكان إقامتها وعملها ومنزل ذويها البعيد نسبياً. من جهتها، تتحدث نسرين حجازي عن الظلم اللاحق بـ«المعلمات المتعاقدات الأمهات حتى إلى عقر العطلة الصيفية»، في إشارة إلى قرار وزير التربية بإخضاع الأساتذة المتعاقدين الذين رسبوا في مباراة مجلس الخدمة المدنية لدورة تأهيلية خلال أشهر الصيف، الأمر الذي يؤثر على الحوامل منهنّ. القرار إذا ما نفذ، فإنه لن يثني نسرين عن «الاستغناء عن الوظيفة وملايينها الثلاثة التي أقبضها بصورة متأخرة وأنفق مليونين منها في سداد ديوني المستحقة». تردّ نسرين قرارها، إن اضطرت لاتخاذه، بأنه «لمصلحة طفلي المحرومين من رعايتي وحناني منذ ولادتهما بسبب قوانين الدولة اللاإنسانية».
مدير إحدى الثانويات الرسمية الكبرى في قضاء الزهراني أطلق جلسات تحديد النسل لمواجهة «الخربطة التي تسببها ولادة المعلمات المتعاقدات والملاك خلال العام الدراسي». فالإدارة تطلب من المعلمة الحامل تأمين بديل منها في وقت غيابها، وإن لم تستطع تستدعي أساتذة الإحتياط الذين يحوّلون ساعة التدريس إلى ساعة حرة (رسم أو فنون أو رياضة).
الحال ليست أفضل في بعض المدارس الخاصة التي يختلف تعاطيها مع المعلمات الحوامل بحسب نظام كل منها. على سبيل المثال، ألزمت إدارة إحدى المؤسسات الكبرى، المعلمة دنيا بتأمين بديلة منها خلال تغيبها في عطلة ولادتها غير المدفوعة والمحددة بـ35 يوماً، علماً بأن هذه المدرسة تخصص حضانة خاصة بأطفال المعلمات في المبنى ذاته. لكن لا يسمح للأمهات بتفقد أطفالهن إلا في أوقات محددة حتى وإن طال بكاء الطفل لحاجته إلى الرضاعة أو شعوره بوجع ما.