ضحى شمس

هي على طريقي، في منتصف الشارع الذي سميته بسبب وظيفته الطاغية، شارع «المقابر». من السوديكو إلى المتحف، مروراً بمخفر طريق الشام، تصطف المقابر على اختلاف مذاهب «نزلائها» الواحدة تلو الأخرى: من مقبرة اللاتين، إلى السريان، فالكاثوليك، الروم إلخ... بينها، واحدة فقط تحظى باهتمامي: مقبرة اليهود اللبنانيين. لفت نظري إليها بداية سبيل مياه بنته هناك «السيدة سارة عن روح زوجها المرحوم إبراهيم» في ثلاثينيات القرن الماضي، وقد كُتب بالعربية على الرخام المكسور في ترجمة لكلمات عبرية فوقها. ولأن إقامة سبيل مياه عن روح متوفى عادة عربية شرقية رقيقة، كان يؤسفني دائماً أن أجد في الجرن الرخامي الجاف نفايات رماها المارة هناك عن قصد أو غير قصد، ربما «انتقاماً» من دولة عنصرية لا تنفك تنهال علينا بجرائمها منذ عقود.
أخيراً، كنت مارة من هناك، ففوجئت بباب المقبرة مفتوحاً وأكياس من الإسمنت تدخل وتخرج. قلت في نفسي: ربما كان هناك دفن لأحد أبناء «الجالية» الذين رفضوا رغم كل شيء مغادرة وطنهم. وجدت رجليّ تتجهان إلى الباب وأدفعه كمن يريد أن يفتح باباً على مكان مغلق في عقله، وإذا بعمال منتشرين في المكان عاكفين على تنظيفه من أعشاب مجنونة. هكذا، أخذت أتمشى بين قبور متدرجة القِدم حتى القرن الـ19، مستمتعة بدرس في السوسيولوجيا عبر قراءة ما كتب على الشواهد من أدبيات الموت، باللغتين: العبرية والعربية، اللهجتان المتحدرتان من الآرامية. دهشت للأرقام الفلكية مكان سنة الميلاد والوفاة، من نوع ولد عام 5070 (تقريباً) وتذكرت أنه التقويم اليهودي. اللغة تعيدك إلى أدباء النصف الأول من القرن الماضي. تقرأ الأسماء المشرقية على الشواهد التي تزين بعضها مرثيات رقيقة، شعبية حيناً ومتأنقة حيناً آخر. لم يعترضني العمال بداية، لكن أحدهم لحق بي ليسألني بخجل «الأجنبي» إن كنت أريد شيئاً. سألته من أين هم، فقال إنهم من نواحي حمص، وإنهم هنا مستخدمون كعمال. وبمجرد أن أعطاني اسمه، علمت أن خالد ليس من «الجالية». لكنه عوضني باسم أحد أبناء الجالية الباقين ورقم هاتفه، وعددهم أقل من مئة، هنا. تذكرت أني حصلت على الاسم ذاته في عام 2005، وأن الشخص اعتذر هاتفياً «فالأوضاع غير مناسبة، لشو الحكي؟»، سألني أيامها وأقنعني.
منذ أيام تذكرت القصة، وأنا أقرأ تحقيقاً للزميلين جوان بجالي وأسامة العيسة (العدد 1071)، عن استيلاء إسرائيل على المقابر الإسلامية التاريخية داخل القدس ومحيطها «لإبراز» المدافن اليهودية، وبناء ماذا؟ متحف التسامح! تصر إسرائيل على إعادة «تدوير» القيم بناءً على حاجاتها. متحف التسامح على أرض محتلة تملكها الأوقاف الإسلامية الأردنية و«فوق الدكة» ممتلئة بموتى محتلين، محرومين، إلى الزيارة، من الدفاع عن أنفسهم. إنه التسامح بعينه. الأفظع أن البقعة تنتمي إلى تراث العالم. فالمقبرة «استخدمها المسلمون منذ القرن السابع، ودفن فيها قادة جيش صلاح الدين الأيوبي، وبقي مسلمو القدس يستخدمونها حتى احتلال المدينة سنة 1967. كذلك فإن المدافن اليهودية المتوسعة ستحتل الجبل الذي يحوي قبر المتصوفة الشهيرة رابعة العدوية، وموقع صعود المسيح إلى السماء، وكنيسة الجثمانية، وقبر العذراء»، فقط لا غير.
لكن، إن كانت إسرائيل لم توفق في تسمية «متحف التسامح»، فهي «عوضت» في تسمية كنيس الخراب، لأسباب لا تتعلق بالتاريخ الديني اليهودي الذي تشير إليه التسمية. فالكنيس مرحلة متقدمة من مراحل محاولة الاستيلاء على المسجد الأقصى بعدما خلخلت الأعمال تحته بنيته بحجة البحث عن هيكل سليمان. لا يمكن إسرائيل أن تتعايش مع مقدسات الآخرين. في هذا الوقت، كانت أعمال ترميم كنيس وادي أبو جميل في وسط بيروت على قدم وساق. استفاد الكنيس اللبناني، كبقية دور العبادة التي هدمت في الحرب، من قرار الدولة إعادة إعمارها، فيما تعلن إسرائيل افتتاح «كنيس الخراب» تحت أنف المسجد الأقصى. افتتح كنيس الخراب، وخربت! اندلع ما كاد يصبح انتفاضة ثالثة لولا متغيرات فلسطينية، بدا الكنيس بصقة عنصرية بوجه مئات ملايين المسلمين والمسيحيين والعرب، احتقار لمقدسات بلاد محتلة تطلب المواثيق الدولية من المحتل احترامها.
المقارنة مغرية. بين دولة تحترم «شخصاً» معنوياً لا وجود فعلياً له (يهود لبنان)، فترمم معابده، ودولة لا تتردد في هدم معبد فوق رؤوس المصلين. بين من يعيد بناء مركز ديني لجماعة حولها إشكالية وطنية يمكن ويجب مناقشتها، ودولة التمييز العنصري مزورة التاريخ، ومؤلفة أساطير وجودها «لايف»، كما يحصل للمسلسلات الرمضانية التي تعرض حلقاتها الأولى قبل حتى الانتهاء من التصوير وتحديد النهاية. لا أنكر أن رد فعلي الغريزي على المقارنة كان أقرب لطلب الانتقام، ومعاملت«هم» بالمثل. لكني سألت نفسي إن كانوا «هم» هنا، هم حقاً «هم» هناك؟ ووجدت نفسي أجيب بـ«لا»، لئلا تنجح إسرائيل في جعلنا نشبهها. نحن نحاول البناء، وهي تهدم، حتى عندما تبني. فكنيس الخراب في دولة الخراب وعقل الخراب وروح الخراب إلى زوال. ذلك أن الزوال هو مستقبل كل خراب، مهما كان عظيماً.