أنسي الحاج


ذكريات
قبيل 1974 حلّ بي هَلَع من الكتابة أخذ يتعاظم حتّى بلغ ذروته بعد عامين من اندلاع الحرب الأهليّة. توقّفت عن العمل ولازمتُ البيت. في البداية كان الخطف والقنص أشدّ ترويعاً من القصف، فلم تكن القذيفة التي يرسلها الأخ إبراهيم قليلات من الغربيّة إلى الشرقيّة أخطر بكثير من الكرة الطائرة. كانت تكفي ملازمة الغرف لاتّقاء الإصابة. وذات يوم كنت في الطريق لما مرّت القذيفة فوق رأسي وكأنها تقول لي «التقطني!». والواقع أن أحداً لم يعبأ بها حين انفجرت بكومة تراب.
لم تكن رغبة في التزام سياسي ما أعادني بعد ذلك إلى الكتابة بل لقمة العيش، وكلّ ما كتبته بعد 1974 ولخمسة عشر عاماً على الأقلّ كان تطويل احتضار. وبأسماء مستعارة أغلب الأحيان. أصبح الاستتار درعاً وصومعة. لانقطاع الشريان ذاك بيني وبين الكتابة، أو الأحرى بيني وبين النشر، وأحرى الأحرى علانية النشر، أكثر من سبب، منها وقوعي التام تحت شعور عجز الكلمة وفشل الكتابة حيال قوى الحرب، وسبب شخصي بحت لا أستطيع الإفصاح عنه. لو كنت كاتب قصّة لرويت تلك الحقبة لعلّ روايتها تريحني من غصّات لا تزال تزحم صدري. وكيف لي ذلك والرواية تقتضي الإيضاح بالتفصيل.
الموضوع ليس هنا بل في علاقة القلم بالاحتراف. أنا من الذين يبشّرون لفظيّاً بالكسل ويمارسون نقيضه. كنتُ أتحسّس من شغف عاصي الرحباني بالعمل وكان هوس بول غيراغوسيان بشغله يصيبني بالملل. وعندما أقرأ هوغو وبودلير يتغزّلان بفضيلة العمل أقترب من الغثيان. أضيّع الوقت كثيراً وعندما أشتغل لا أعود أتوقّف. التبشير بالكسل هو عندي تمنٍّ أكثر ممّا هو حقيقة. مثل أمور أخرى كثيرة.
ومع هذا ما زلتُ أُقنع النفس بأنه لو توافرت لي الإعالة بلا شغل لما أبيت، لفرط ما استفحل فيّ تلك الفترة كرهُ الكتابة، والأصحّ الأدقّ كره الصحافة. وعندما حصلت العودة إلى العمل الصحافي كانت أقرب ما تكون إلى الاغتصاب. جريمة نقصٍ في الصلابة. ارتخاءٌ معيب أمام العيش. يا لكذب العذر!
يقع التوهُّم بأن موجبات العيش تستوجب الشغل في خانةِ الغباء الفيزيكي والميتافيزيكي معاً. جريمة قلّة إيمان بالمعنى الديني وبالمعنى المادي لناحية ميكانيكيّة المدّ والجزر في حركات الحياة وسكناتها.
لا أحد يموت من الجوع، يقول أهلنا، نقول لأولادنا. نقولها ونكدح. لماذا نكدح ما دمنا لن نموت من الجوع. أبوكم السماوي الذي يطعم العصافير هل يُعْقل أن لا يرزقكم أنتم أسياد الأرض؟ هذا ما قيل لنا وأردناه أن يغمرنا بالطمأنينة، قبل أن نعرف أن الأشياء التي لا تحتاج إلى ثمن بل إلى إيمان، محض إيمان، هي تلك التي تحتاج إلى عدم الخوف أولاً، أي إلى الارتماء في الموج دون معرفة بالسباحة. وهذا ما لا يستطيعه الشكّاك ولا الجبان. وبدون الارتماء الأعمى يعود الحساب، ومعه مبدأ البيع والشراء. ومعه مغادرة الغرفة التي تحميك كالأحشاء من دعس الحياة.
■ ■ ■
... عملٌ يبحث عن عاطل، عاطلٌ لا يبحث عن شيء. العاطل استباق للمثاليّات، استعادةٌ لعطلة ما قبل العقاب، ما قبل الجريمة. مشكلة العاطل عن العمل تَوَهُّمه أنّه طفيلي، ولو درى لأدرك أن مشكلته هي الضجر. ضجر عدم العمل هو الدافع الأكبر للعمل وليس لعب دور منتج ولا حتّى العَوَز. الشرعيّة الوحيدة للعمل هي أن يكون مصدر متعة للعامل. كما هو الغناء متعة للمغنّي والتلحين متعة للملحّن وكما هو التحليق متعة للطير. يوم يصبح العمل نوعاً من اللهو تكون مسيرة البشريّة نحو سعادتها قد حقّقت خطوة جبّارة ويكون قد انبلج تكوين جديد للخليقة.
حتّى ذلك الحين نظلّ ندعو إلى الكسل وشمّ الهواء ويظلّ يثير أعصابنا مشهد الكسالى وشمّامي الهواء. الرأس في محلّين معاً، ناقض ومنقوض. يريد منها ويبصق عليها.
يجب أن لا تكون الحياة في متناولنا إلّا بشروطها.


الباب مفتوح
أيكتشفُ المرء أم يَجِد؟ باحثٌ أم منتظِر؟ في كلّ واحدٍ شيءٌ من الآخر. المبصرُ أعمى والأعمى مبصر. الأرجح أنه عندما يجد يحسب أنه اكتشف. وهو يكون قد اكتشف فعلاً، ولكنْ ليس بجهد عقلِه بل لأن انتظاره يحبل بثماره.


في الليالي
في الليالي تخرج الرياح من هيكلها تصيح على البحار، وللجبال تعزف عزيف الجنّ في أعيادهم. أين كانت الجحافل محبوسة! ما الكهوف التي تحفظ كلّ هذا الرقاد! تضمّ الأرض أجنحة لها وتبسط أجنحة.
ما أكثر المخبوءات! ما أصغر مشاويرنا!


أيّتها الصورة
هذه الصورة المتوارية في الصدر، الغامضة حتّى على حاملها، حاملها التائه بها، هذه الصورة متى تفارق الصدر فيستريح؟ تحسب جذورها في الطفولة فإذا كلّ ما هو طفولي يضمحلّ وتبقى الصورة! تحسبها في المراهقة، لكن الصورة تبقى في الكهولة، وفي الشيخوخة تظلّ، ولا تعود تُعرَف جذورها من فروعها. لا هي حسيّة ولا روحيّة، ولا هو الجنس ولا هو الدين، ما أنتِ أيّتها الصورة الهاجس، يا وجهَ امرأةٍ لا ينتهي تعداده، ولا يُشبِعُ لمسه، ولا يطلع فجرٌ بدون إشراقه! تجعل الرجل يظن أنه عاشق وهو غير عاشق، وأنه معشاق وهو عفيف، وأنه متقلّب وهو وفيّ، وأنّه ثابتٌ وهو أكثر تيهاً من الزورق السكران ومن اليهودي التائه!


هذا هو أنت
ليس بك شيء سوى أنّ هذا هو أنت. تغوص فتفوش، تفوش فتغوص! ما بك؟ ليتني لا أفهم ما يدور في رأسك. الحقيقة أنه ضجرٌ عام وليس مشكلة خاصة. تغمض عينيك وتبلع الحقيقة. الحقيقة العابرة، ربما، ولكن لا حقيقة حيّة إلا عابرة.

الحيّ يُلبّى
الكلمة المبدعة تتجلّى في جميع ظواهر الطبيعة وهذه الظواهر تنبض وتحتفل بعرسها المتجدّد كلّما احتُفل بذبيحة الكلمة المبدعة.
كلّ ما هو حيّ يُلبَّى. الحيّ الصادق الفوّار. اطلبْ تُعْطَ إذا كان طلبك حيّاً، صادقاً كالصرخة فوّاراً كالطِيبة المتأجّجة. اطلبْ تُعطَ إذا كانت أفكارك حيّة وعيناك مشعّتين بلانهائيّة طلبك. أيّاً كان الطالبُ لكَ يشفيك إذا أعوَزَتك الحماسة وتضافرتْ لمَن يحبّك. إذا وضع الحيّ الساخن يده على جبين قريب لكَ، وفي بلد آخر، نَقَل لك بواسطته الشفاء. ليس أَن تعرف بل أَن تؤمن. ومَن يُشعّ في الحياة يُشعّ في الموت وإشعاعه لا يرقد إلا في أحضان حافظي لَهَبَه.
وما يصحّ على الفرد يصحّ على الجماعة، فالكلّ موعود، والشمس حين تغيب عن هذا تكون في ذاك، الشمس دائمة، والوعد القديم دائم وجديد، والهواء الذي ينسم بمراحل برهان على الهواء المطلق. والخلاص المتقطّع العسير دليلٌ على الخلاص الغامر الذي سيحلّ ملكاً ويبسط صفاءه كالسماء.

إيناس
أبسط أنواع تشجيع الذات، كالثرثرة بصوت مرتفع في ظلام الطريق الموحشة، يبقى أفضل من اختناق الصوت. حتى الكتابة العبثيّة لا بدّ أن تتحلّى بقدرٍ من الشهامة يمنعها من «التطبيق على الصدر». كلّما اقتربنا من النهايات ـــــ نهاية العالم أو نهاية عالم أو نهاية شخص ـــــ تعاظمت الحاجة إلى رباطة الجأش.
لم أشعر بأي حبّ تجاه أنبياء الويل والخراب، ولم تَصْدق نبوءاتهم مرّة. أعتقد أن خلفيّة نُذُرهم تلك كانت ولا تزال مواقف بغض واحتقار وانتقام من سائر البشر. يجب أن لا يُسمح بالكلام على المستقبل، على المصير، إلا لزارعي القوّة والجمال والحماسة. وكلّما طعنت البشريّة في السنّ ازدادت حاجتها إلى الرفق وإلى مَن يساعدها في حمل نفسها على مواصلة السير.