عملية تهويد القدس لم تعد تتوقف على الأحياء والآثار، بل طالت الأموات أيضاً. فها هي المقابر الإسلامية التاريخية داخل المدينة ومحيطها تدمر بحجة إبراز المدافن اليهودية فقط، أو لبناء «متحف التسامح»



أسامة العيسة وجوان فرشخ بجالي
تنتهي في 22 من الشهر الجاري الفترة المحددة لانتهاء العريضة العالمية لعدم قيام متحف التسامح فوق المقبرة الإسلامية في القدس، المعروفة بمقبرة «ماميلا». المقبرة التي استخدمها المسلمون منذ القرن السابع، والتي دفن فيها قادة جيش صلاح الدين الأيوبي، والتي بقي مسلمو القدس يستخدمونها حتى احتلال المدينة سنة 1967، تشهد اليوم عملية استملاك واسعة. فقد قررت جمعية خيرية يهودية إقامة متحف للتسامح فوق آخر قطعة أرض لا تزال تحتفظ بشواهد القبور الإسلامية. فالمقبرة التاريخية تتعرض، باستمرار، لعملية تهويد مدروسة. فسنة 1960 حوّلت جزءاً منها إلى حديقة عامة، ثم بنت البلدية مرأباً واسعاً تحت الأرض، أدت أعمال البناء فيه إلى نبش القبور وتبعثر العظام. واليوم، لم يبقَ من المقبرة التاريخية إلا جزء تحاول السلطات استملاكه لتحويله إلى متحف. «متحف للتسامح» يخبر عن الكرامة الإنسانية!
وقد باشرت السلطات الإسرائيلية بمشروع لتمدد المقبرة اليهودية على جبل الزيتون المطل على بلدة القدس القديمة. المقبرة ستحتل الجبل الذي يحوي مجموعة من أهم المواقع الأثرية والدينية، مثل قبر المتصوفة الشهيرة رابعة العدوية، وموقع صعود المسيح إلى السماء، وكنيسة الجثمانية، وقبر العذراء، وغيرها، وتغيّر على نحو دراماتيكي جغرافيا الجبل المهيب.
ولم تستغل سلطات الاحتلال الشريعة اليهودية، لتهويد الموقع المناسب الذي يمكّن المرء من رؤية أكثر المشاهد البانورامية روعة للقدس، لكنها شرعت أخيراً في مشروع يستهدف استجلاب الدعم من يهود العالم لهذه المقبرة، وتحويلها إلى رمز يهودي رئيس في المدينة المقدسة. والمشروع الجديد اضطلعت به مؤسسة إسرائيلية هي «الحديقة الأثرية في مدينة داود» ويتضمن تحديد شواهد القبور وتوثيقها، وتحميل المعلومات على الإنترنت. وحتى الآن جرى تحديد عشرات الآلاف من القبور اليهودية على جبل الزيتون، وإدماجها في قاعدة البيانات على موقع خاص على الإنترنت، والهدف وفقاً لحديقة مدينة داود الأثرية «رفع مستوى الوعي بأهمية مدينة داود، وتكريماً لذكرى الأشخاص الذين دفنوا في المقبرة، وكذلك لتبادل المعلومات عن الرحلات والأنشطة».
ومدينة داود هي التسمية اليهودية لقرية سلوان، جنوب المسجد الأقصى، التي كانت فيها المقبرة اليهودية، بين وادي قدرون التابع لسلوان، وحتى رأس العمود، ثم تمددت صعوداً إلى جبل الزيتون.
ويقدم الموقع الإلكتروني قصصاً عن أشخاص دفنوا في المقبرة، ويعرض وثائق بالأسماء لكل شواهد القبور، ومعلومات عن الأشخاص الذين دفنوا في تلك المقابر.
ويتيح الموقع لزائره القيام بزيارة افتراضية للمقبرة من خلال صور جوية لجبل الزيتون، وإنشاء خريطة سياحية عن الطريق التي سيسلكها للوصول إلى المقبرة، مع تعليمات خدماتية، مثل أين يمكنه إيقاف سيارته.
وقال مدير العلاقات العامة للمشروع، أودي راجونز: «إننا نأمل أن يعطي هذا الموقع اليهود في جميع أنحاء العالم فرصة لإزالة الغبار عن قبور أحبائهم، منذ أجيال متتابعة، ولاستعادة القصص المدفونة تحت الأرض واكتشافها».
وأفاد بأنه حتى الآن جرى توثيق أكثر من 20،000 من شواهد القبور، ويقدّر القائمون على المشروع، وجود ما بين 200،000 و300،000 قبر في المقبرة، وهو رقم يثير الشك ويعزز التساؤلات عن الأهداف السياسية والاستعمارية من المشروع.
ويغفل الإسرائيليون أن الأرض المقامة عليها المقبرة، هي أرض وقف إسلامي، وفقاً للمؤرخ عارف العارف الذي يذكّر بأن المسلمين، أذنوا لليهود، باستعمالها لقاء أجر معين يدفعونه في كل سنة لمتولّي الوقف، ويقول إنه اطّلع في سجلات المحكمة الشرعية بالقدس على سجلّ وقّعه القاضي الشرعي، وجاء فيه أن ممثل الطائفة اليهودية نقد أصحاب الوقف، بحضور القاضي، 200 دينار ذهباً، مقابل استخدام طائفة اليهود أرض الوقف لدفن موتاهم، وذلك عن عامي 968 و969 هـ أي 1560 و1561م.
بعد حرب 1948، أصبحت المقبرة تحت الحكم الأردني، ولم يدفن الإسرائيليّون موتاهم فيها، ويقول القائمون على المشروع، إنه خلال هذه الفترة، تعرضت المقبرة للتخريب، ودمرت شواهد قبور، واقتلع العديد منها، لاستخدام جزء من المقبرة كمعسكر للجيش الأردني، وكذلك جرى ترميم طريقي القدس وأريحا وتوسيعهما، ما أدى إلى تدمير قبور أخرى، وهو ما تنفيه المصادر الفلسطينية.
وبعد الاحتلال في حزيران 1967، تجدد الدفن في المقبرة، ورممت وتوسّعت، على حساب أراضي المواطنين العرب، والآن فإن مشروع توثيقه على الإنترنت يتجاوز كونه مشروعاً توثيقياً، لكنه ذو أبعاد سياسية وتهويدية تهدف أولاً وآخيراً إلى إزالة كل المعالم غير اليهودية في القدس، إن كان هذا تراثاً إسلامياً أو مسيحياً. الهدف هو «إبراز» صورة للقدس يهودية بحتة فقط. وكأن الآخر لم يسكنها يوماً أو دفن فيها أمواته.