شاي دمعة، شاي سيّاد، ثقيل، خفيف، أخضر، أسود. مهما اختلف نوعه، هو المشروب الذي اقترن تاريخياً باستغلال شعوب وتحرّر أخرى، بينما اقترن في بلادنا بالصحراء، وبالصقيع، وبجلسات «الونس» الحميمة وبحسن الضيافة


مايا ياغي
اقترن الشاي في منطقتنا العربية بقيظ الصحراء، حيث يخفف من وطأته، وبصقيع الجبال الذي يواجهه بدفء يبثه في أجساد شاربيه. دفء آخر اقترن به: الجلسات الحميمة، وحسن الضيافة، ولا ننسى، تسهيل عملية الهضم بعد وجبة دسمة. يُصنع الشاي من أوراق نبتة «camellia sinensis» بعد أن تجفّف، وهي نبتة عرفها الصينيون منذ عام 2737 قبل الميلاد، ثم انتقلت إلى اليابان وبعدها إلى الهند، حيث طوّر صنف جديد من الشاي «assam» أي الشاي السيلاني. إلّا أن الشاي لم يصبح تجارياً إلا على يد الاستعمار البريطاني، لتحمل تلك النبتة تاريخياً، في طياتها، ثالوث استغلال ارتبط بالثورة الصناعية وبتحرر المستعمرات، وبذرة التحرر الوطني، ولو رمزياً.
ويتعلق العنصر الأول من ذلك الثالوث بتسخير المستعمر البريطاني أراضي الهند ومراعيها، بعدما قضى على أراضيها الزراعية الصغيرة، لخدمة تجارته. إذ حوّلت بريطانيا الأراضي الهندية إلى مزارع شاسعة عمل فيها المزارعون لإنتاج شاي توزعه شركة «شرقي الهند البريطانية» وتصدره. بذلك، ارتبطت تجارة الشاي ببناء رأس مال شركة تابعة للمستعمر على حساب السكان الأصليين. أمّا العنصر الثاني، فيتعلق بما كان يحصل في بريطانيا آنذاك، إذ أصبح موعد الساعة الخامسة لتناول الشاي موعد استراحة العمال المستغَلين في ثورة الإمبراطورية الصناعية. فهو يمد العمال بالطاقة، وخصوصاً بسبب السكر الذي يضاف إليه ويحتوي على سعرات حرارية عالية. وهنا، يؤدي السكر دور العنصر الثالث في ثالوث الاستغلال، إذ إنه كان ينتَج في مستعمرات بريطانيا في أميركا وجزر الكاراييب، على يد مزارعين يُستغلون أيضاً.
لكن الشاي الذي حمل بذور الاستغلال وتجلياته، حمل أيضاً بذور التحرر الوطني. فقد ارتبط بأول حركة تحررية في أميركا ضد المستعمر البريطاني، حين اقتحم ناشطون في مرفأ بوسطن ثلاث بواخر محملة بالشاي، قبل أن ترسو، احتجاجاً على الوجود البريطاني في بلادهم، وأفرغوا محتوياتها في البحر، في ما أطلق عليه لاحقاً «حفلة شاي بوسطن» عام 1773 التي أصبحت رمزاً لحركات التحرر الوطني.
يستهلك العالم عموماً كميات هائلة من الشاي سنوياً. بلادنا لا تشذ عن القاعدة، منذ القرن السابع عشر، التاريخ الذي اكتشف فيه العرب الشاي كما تشير «الموسوعة العربية العالمية». ورغم أن زراعته تتعذر على تربتنا القلوية، إذ إنه يحتاج إلى تربة حمضية، فإننا نستهلكه بكثرة، وقد أصبح من صميم عاداتنا الاجتماعية، على مختلف أنواعه. فأنواع الشاي كثيرة رغم أن النبتة هي ذاتها، إلّا أن طريقة التصنيع تختلف، كما أن العطور التي أصبحت تضاف إليه مع الوقت زادت من أنواعه. من الشاي الأخضر إلى ذلك الأبيض والأسود الذي يحوز شعبية عالية في مجتمعاتنا. لا يخلو منزل لبناني من الشاي، فهو الرفيق الدائم لفطورنا الصباحي. سمر إسماعيل لا تشعر بأنها تناولت فطورها إذا لم تشرب معه الشاي، ولا يمر يوم واحد من حياتها من دون أن تتناول هذا الشراب الساخن الذي يعيد إليها نشاطها الذهني. فكما الناس يدمنون التدخين أو القهوة «أنا مدمنة شرب الشاي» كما تقول.
وإضافةً إلى تعدد الأنواع، تختلف أيضاً طرق إعداد الشاي. ففي مقابل الشاي الخشن، وهو المفضل عموماً لدى كبار السن، يفضّل الجيل الأصغر الشاي الناعم المعبّأ في «ظروف» صغيرة، وخصوصاً لأن إعداده أسهل من ذلك الـ«فلت»، الذي «بدو معلمية» كما يقول أبو علي محمد. فبالنسبة إليه، «من الأفضل غلي الماء مسبّقاً وبعدها وضع الشاي وتركه على حرارة خفيفة ليختمر لأقل من دقيقة واحدة». على عكسه، يفضّل آخرون وضع إبريق ماء على النار وتركه يغلي باستمرار، مع وضع إبريق آخر فوقه يوجد بداخله شاي مغلي مسبقاً، هكذا، يصنع الشاي على البخار ويستغرق إعداده وقتاً أطول بكثير، ما يعني اختماراً أكثر.
تتفنّن بعض السيدات بإضافة نكهات مختلفة إلى الشاي، فيضعن معه بعضاً من عيدان القرفة أو من حبات الهيل أو الزنجبيل أو ورقة من نبات «العطراية»، أو بعض أوراق النعناع، وإلى ما هنالك من نكهات.
في لبنان، بينما تكثر الأنواع في الأسواق (من الشاي المثلج إلى المنكّه إلى ذلك الخاص بالتنحيف)، يزرع العديد من سكان القرى نبتة تعرف باسم «عشب الليمون» ويصطلحون على تسميتها شاياً أخضراً، لكنها، من الناحية العلمية لا تمتّ إلى الشاي الأخضر بأيّ صلة، فهي نبتة تمتاز بطول أوراقها الخضراء ويمكن غليها وتقديمها كشراب ساخن تفوح منه رائحة الليمون، لما تحتويه من زيوت تشبه تلك الموجودة في قشر الليمون.