سمية علي

لطالما كان المطر في حياتها نبوءة. أما الكتب، فمكانها الذي تستكين فيه، بعيداً عن الضجيج، وسط الموسيقى والفوضى... الكثير من الفوضى. أودعت في المرآة ابتسامة، وسارت في دهاليز المدينة تترك أنفاسها للهواء. أمام عينيها، سماء واسعة، متسوّل، ومنزل اخترقته قذيقة ذات حرب، تقودها الذاكرة إليه يومياً. عبثاً حاولت إحداث ثقب في تلك الذاكرة لتفرغ ما فيها في البحر الكبير. على الشاطئ، جلست وبكت وأفرغت ألمها في الموج المسكون برتابة التكرار. كانت صغيرة عندما نسيت يديها في أوراقه، وأحلامها في رسائله القصيرة. نفته إلى السراب لحظة أدركت أنه طيف رقيق داعب مخيلتها ورحل. بين الوهم والحقيقة خيط رفيع، وبينه وبينها كلمات صدئة ولوح من الشوكولا. حملت جسدها بعيداً عن البحر ووضعته في سيارة حمراء اللون إلى مكان سيجمعها بصديقة لم ترها منذ مدة. حدّثتها بما أحبت أن تسمعه وشيّعتها بقبلة ووعد بلقاء قريب. في ما مضى، كانت الوعود بالنسبة إليها نوعاً من الصدق والمحبة الدافقة، إلى أن استحالت مجرد وسيلة لكسب الثقة. تحب بيروت وتصرخ في فضائها وتخطئ وتلهو وتكبر. لهذا تحبها. لأنها وحدها احتوت جنونها ومزاجيتها، ولأنها لم تعرف غيرها مكاناً. أرادت أن ترقص الفالس وأن تراه قليلاً وأن تثرثر في أذنيه لتخرس بعدها وليقل هو ما يشاء. فجأة، مثل أمامها، فابتسمت له، وسارا جنباً بجنب. أخبرته عن صديقها المتطفل وعن جارها الوسيم وعن رواية قرأتها وعن ورقة كان قد أرسلها إليها ورمتها من دون قصد. سألته عن شحوب وجهه وعن سبب غيابه المفاجئ. وضعت في جيبه حلواه المفضلة ورددت على مسامعه بعضاً مما كتبته عن ملل الانتظار. قالت إنها تتحدى الزمن وخيانة الذاكرة، من خلال تكرار الأفعال، لتشعر بأنها تستطيع جعل ما مضى حاضراً أيضاً. ضحكت عالياً لحيلتها الساذجة، ومضت معه في ساعات الفرح الممكن. تسلل البرد إلى يديها، رفعتهما قليلاً ليلتقيا بدفء يديه، فامتلأتا بقطرات المطر ووجوه المارة.