زينب صالح

ملأتُ بصوره الهواء. عشقنا الريح. بنينا هناك قصراً آمناً، لا تطاله الحروب. هناك، كنا نتناول رغيف الأمل ساخناً كل صباح. لم ينقطع عنا الطحين أبداً، ولا الكهرباء ولا المياه. المخيمات كانت مفتوحة الأفق. لم نر مشرداً واحداً يتسول هوية حياة. لم نرَ وزيراً ضريراً يشرح عن الألوان. كل النواب انتخبهم الشعب. لم تكن كراسي الرؤساء مليئة بريش الأكاذيب. رئيس الجمهورية كان يحتسي معنا قهوة الصباح في كل وعكة ألم. لم نتسوّل الصبر من ملاجئ الأدوية، لأننا لم نفقد عزيزاً في كبوة للزمن، أو في تظاهرة يطوّقها الأمن. سجّلنا أولادنا في المدارس، ثم في جامعات لا تصنف المواطنين بحسب انتماءاتهم ومستواهم الاقتصادي. أحببته. عانقت روحه، ولم أضطر إلى البكاء على وسادة الذكرى، لأنه لازمني، ولم يهاجر طلباً لجواز سفر أجنبي ولبعض المال، بل نثر زهر شبابه هنا في شوارع الضاحية والحمرا ووسط بيروت. طيورنا كانت تسافر للتنزه فقط. وكانت تعود ولا تستقر في أعماق البحار. حتى أسماكنا كنا نلتقطها، حين تموت، بغواصاتنا المحلية لندفنها فوراً. صناديق حزننا السوداء كانت بمتناول مجهر المحكمة، ولم يكن أحد يتعمد إخفاءها. هناك رأيته، أحببته، وهاجرت معه. حين خيّرني بين عينيه وأوردة الحقيقة، اخترت أهدابه لأني أخاف من النسيم. لم أندم يوماً. عشقه كان عالمي وبيتي. جمعت أثاثه من الخيال لا من المحال الباهضة الثمن. هاجرت معه، إلى أبعد ذرة من الأحلام، بين الأرض والسماء.