هيثم عمار

منذ أن فتح رضا عينيه على وطنه، أدرك حقيقة أصيلة، مفادها أن بلده: أولاً، أصغر من أن يقسم، وثانياً، أكبر من أن يُبتلَع. الجزء الأول هو حقيقة علمية وجغرافية؛ أمّا الثاني، فهو تعبير «وطني وجداني». ولأنه مواطن يفكّر بطريقة عملية وعلمية، ركّز رضا على الفكرة الأولى، وعمل على أساسها في نمط عيشه وحياته، باحثاً عن اعتناق كل مساحة من الوطن يطاولها بصره، وعن استنشاق كل ما تيسّر له من هواء هذا الوطن.
هكذا، أصبح يستيقظ في كل صباح قاصداً البحر، حيث يمتلك، كمواطن حسن السيرة والسلوك، حصة أو سهماً مما يسمى الأملاك البحرية. وهي حصة غير محددة بطبيعة الحال، لأن كل مواطن لبناني له مثلها، معنوياً على الأقل، بحسب الدستور الذي يعرفه رضا جيداً ولا يزال يؤمن به، حتى إشعار آخر. ولأن البحر بالنسبة إليه يمثل الرئة التي يتنشق من خلالها الهواء، ويطلق عبرها زفير الهموم وضغوط الحياة، يحرص رضا على الإفادة من كل شبر في الكورنيش لإشباع رغبته في الإحساس بالمدى وبالمساحات الرحبة في هذا البلد الذي لا يقسَّم بحسب قناعاته العلمية. وفي أحد الأيام، طالعت رضا على التلفاز وصلة هرج ومرج عند كورنيش البحر، أناس يتدافعون ويتنازعون حقوق المكان. ركض مسرعاً إلى هناك وهو يتأبّط بطاقة هويته ظناً منه بأن الدولة قد بدأت توزع على المواطنين حصصهم من الأملاك البحرية العامة. في الطريق إلى هناك، أخذ رضا يحسب كم ستكون حصته، وأية قطعة ستكون من نصيبه، فالمسافة هناك بالكاد تتعدى الثلاثة آلاف متر، وعدد سكان لبنان هو أربعة ملايين نسمة، زد على ذلك أن هذا الرقم قديم، يعود لإحصاء عام 1932، وهناك أعداد كبيرة من المغتربين الذين عادوا خلال الأعوام الأخيرة
«يا إلهي!»، قال في سرّه، فوسط هذا العدد الهائل، قد لا يحوز موطئ قدم، ربما لا يكون التقسيم فكرة سديدة في النهاية.
لدى وصوله، كان الميدان الهادئ قد تحول ساحة عراك تعلو فيها أصوات الشتائم بين الناس. اقترب منهم أكثر فأكثر في محاولة منه لفهم ما يجري، فإذا بصياد ينادي بحقه في المكان. حاول رضا إقناعه بعدم جدوى تقسيم الكورنيش، لكونه، حينها، لن يجد مكاناًً لصنّارته حتى، لكنه فشل في إسماعه صوته، إذ في الجهة المقابلة، كان شخص آخر يصرخ محاولاً طرد الصياد ومن معه. شخص ظنّ رضا أنه في صفه، ويفكر حسابياً مثله، لكنه سرعان ما اكتشف أن له حسابات أخرى...
ازداد الهرج والمرج، وعلت الأصوات، فراح رضا يثب محاولاً اختراق الجمع لإقناع المتعاركين بالنتيجة الحسابية التي توصّل إليها، وتجزم بعدم القدرة على التوزيع الناجع للحصص، لكن كل الوثب والقفز والصراخ لم تفضي إلى نتيجة، وللعلم، رضا قصير القامة...
في هذه الأثناء، مرّ عجوز اعتاد صاحبنا رؤيته عند البحر. أخذ بيد رضا وابتعد به عن صخب المكان، حيث بدأ الصراخ يتبدد ويتبدد إلى أن اختفى، عندها، قال له: «اسمع يا رضا. إن للناس دستوراً غير ذاك الرسمي، يتفقون عليه، ثم يعطّلونه أو يعملون به وفق مآربهم ومصالحهم. فلا تظنّن أن صوتك مسموع في بلدٍ يبدو أن لا شيء فيه ممنوع، ولا تطمع بأكثر مما أنت عليه. هيا، استغلّ ما بقي من الكورنيش إلى أن يضيق منفذ البحر أكثر فأكثر، لعله يسدّ الهواء ويخنق الجميع... عم تسمع يا رضا»؟