نشأت في بيت سياسي، وحلمت بأن تكون مهندسة زراعيّة. الصبيّة المتمرّدة شُغفت بالسينما الإيطاليّة، ودرست علم الوراثة، سافرت إلى باريس مع رفيق دربها التشكيلي يوسف عبدلكي. هناك، بعد سنوات المنفى الطويلة، انطلقت تجربتها السينمائيّة الأولى «أنا التي تحمل الورود إلى قبرها» الذي لم يُعرض حتى الآن في بلدها سوريا

خليل صويلح
لولا السياسة التي غيّرت مسار حياتها على حين غرّة، لكانت هالة العبد الله اليوم ربّما مهندسة زراعية مرموقة. هذه المخرجة السوريّة تفتّح وعيها مطلع السبعينيات على «وهم الثورة الزراعية»، وحاجة البلد إلى الطاقات الشابة في تحويل الصحراء إلى حقول خضراء فسيحة. نشأتها في بيت سياسي لأب قاضٍ وخالٍ منخرط في السياسة نمّت لديها هذا الإحساس بالانتماء إلى الشأن العام، والاشتباك مع قضايا الساعة. هكذا انتسبت هالة إلى كلية الزراعة في دمشق، والتزمت بطروحات راديكالية، لتجد نفسها في خضم سجالات سياسية وثقافية ساخنة ميّزت تلك الحقبة الخصبة في التاريخ السوري الحديث.
تستعيد بحنين صورة تلك الصبية المتمرّدة الحالمة بالسينما، إذ راحت تلتهم روائع الفنّ السابع بدءاً بأعمال الواقعية الجديدة في إيطاليا والأفلام السوفياتية التي كان يعرضها النادي السينمائي في دمشق. لكنّ مرحلة الحلم اليوتوبي لم تطُل، والعمل السياسي ثمنه باهظ كما نعرف في بلداننا. لم تكد تنهي سنتها الجامعية الأولى حتى ذاقت طعم السجن. أربعة عشر شهراً من «الاختفاء القسري» كانت منعطفاً حاسماً في حياة الشابة الحالمة بالحريّة وبتغيير العالم: «تعلّمت خلال تلك الأشهر معنى السلام الداخلي» تقول. ولم يطل بها الأمر حتى سلكت طريق المنفى، بصحبة رفيق دربها التشكيلي يوسف عبدلكي. في باريس التي هاجرت إليها أواخر السبعينيات، درست علم الوراثة والأنثروبولوجيا، وبقيت دراسة السينما حلماً مؤجلاً نظراً إلى الكلفة المرتفعة التي تتطلبها كلية متخصصة. خضعت لدورات سينمائية إلى جانب عملها في منظمة «الأونيسكو» في «مندوبية فلسطين». انخرطت أيضاً في العمل الصحافي عبر مكتب مجلّة «الموقف العربي» في باريس بإدارة غالي شكري. قبل أن تنهي دراستها في السينما. التقت أسامة محمد الذي كان يُعدّ لتحقيق فيلمه الروائي الأول «نجوم النهار» (1986)، فعملت معه سكريبت ثم مساعدة مخرج، وإذا بها شريكة في معظم مفاصل شريطه الثاني «صندوق الدنيا» ومكابداته: «كانت تجربة غنية، دفعتني إلى خيار نهائيّ: العمل في السينما».
لم تفكّر السينمائية الشابة حينها في مشروعها الشخصي. كانت صلة الوصل بين مشاريع سينمائية وجهات إنتاج أوروبية تحمل تواقيع أصدقائها. هكذا عملت مع محمد ملص في فيلم «الليل»، في أول تجربة إنتاج مشترك بين «صندوق الجنوب» و«المؤسسة العامة للسينما». تتذكر الآن، من دون ندم، المصاعب التي واجهتها من أجل إقناع إدارة «المؤسسة العامة للسينما» بأهمية الإنتاج المشترك، بعيداً عن «نظرية المؤامرة». أهدرت أشهراً طويلة في المراسلات والاجتماعات وإنشاء العقود لتحقيق ذلك الحلم. في غمرة انشغالها في أفلام الآخرين، جرّبت هالة كل المهن السينمائية بحماسة. في معرض تقويم تلك المرحلة تقول: «كل تجربة سينمائية خضتها، كانت بمثابة تجربة أولى لجهة الاكتشاف. لعلَّ الدرس الحقيقي الذي تعلمته من هذه التجارب هو وجود منطقة عذراء في كل عمل شاركت فيه، سواء مع عرب أو فرنسيين. كنت أجد على الدوام مكاناً لي. في المحصّلة، لا يوجد مخرج يشبه الآخر في طريقة العمل. هذا ما يستفزّني ويزيد حماستي ومتعتي المتجددة».
خلال ربع قرن، أسهمت صاحبة «هيه... لا تنسي الكمون» (2008) في 15 مشروعاً سينمائياً، وخاضت مغامرات «لا تخلو من براكين ورمال متحركة». تشرد هالة قليلاً وتقول: «فجأةً وجدت نفسي في الخمسين، وكان عليّ أن أتوقف وأتأمل مسيرتي المهنية، فقررت أخيراً، أن أنجز مشروعي الشخصي». كانت حكمتها الأثيرة طوال تلك السنوات الماضية: «يجب أن ندفش الأنا إلى الخلف»، بناءً على قناعة ايديولوجية متأصلة في تفكيرها. وها هي تختبر «أناها» عن كثب، فتكتب حكايتها المؤجّلة. وإذا بشريطها الأول «أنا التي تحمل الزهور إلى قبرها» (2006) يتكوّن من تلقاء نفسه، فإذا بها أفلام عدّة في عمل واحد. هذا العمل أقرب إلى جردة حساب لزمن مضى على خيبات وانكسارات وأحلام لم تتحقق، و«جديلة من أفلام مجهضة»، ولحظة مراجعة لزمن مسروق ومحاولة لتكثيفه بطريقة أخرى. «اخترت خطاً مختلفاً في الكتابة السينمائية، تبعاً لما كان يمليه عليّ صوتي الجوّاني، فجاء السيناريو مزيجاً من البوح والشاعرية، كما لو أنه قصيدة نثر في صياغاته السردية والبصرية، وفي حرية البحث والتجريب».
صوّرت هالة شريطها الأول، مع عمّار البيك، بتمويل ذاتي وبكاميرا غير احترافية، في أقصى حالات البوح، سواء في معالجة حيوات الشخصيات، أو في طريقة تركيب الفيلم. تجد في «السرد على هواها» أسلوبها في خوض مشاريع سينمائية أخرى، وخصوصاً أن الشريط حاز «جائزة اتحاد الوثائقيين في العالم» في «مهرجان فينيسيا الدولي» (2006) ليجول بعد ذلك على نحو 55 مهرجاناً في العالم. تقول هالة عن جائزتها الأولى: «منحتني الجائزة خطاً أخضر لإكمال الطريق بالبوصلة نفسها، ولعلّ ما يمس البشر أولاً هو


تُعدّ لفيلم عن رسّامي الكاريكاتور في العالم العربي وآخر عن نساء من العالم
الصدق والرغبة في رسم ما يشبهنا». شريطها الثاني «هيه... لا تنسي الكمون» (2008) استمرار للخط الذي انتهجته المخرجة السورية في فيلمها السابق بمغامرة أكبر. ها هي تمزج الوثائقي بالروائي، في كتابة شهادات حيّة عن الموت والعسف والجسد. هنا يختلط الواقع بالخيال، الشعر بالأرواح الهائمة، القصص المكتوبة بالأغاني. رهانات هالة العبد الله على سينما أخرى لا تضع في اعتبارها أيّ شروط من خارج التجربة، وذلك في ألبوم مفتوح على ذاكرة تستدعي أسماءً وأمكنة وأحلاماً: يوسف عبدلكي، نزيه أبو عفش، دارينا الجندي، الراحلان دعد حداد وجميل حتمل، وآخرون.
ليس لدى هالة عنوان دائم، صحيح أنها تعيش في باريس، لكنّ هواها في دمشق كما تقول. تقول ذلك متجاوزة خيبتها من عدم عرض فيلمها الأول في بلادها. بالكاد نختطف نصف ساعة من وقتها قبل أن تغادر مرةً أخرى إلى باريس. نسألها عن مشروعها الجديد، فتجيب: «رسم كل صباح». وتشرح الفكرة باختزال: «إنّه فيلم عن الكاريكاتور في العالم العربي، من الفكرة إلى الورق، يتناول فسحة حرية التعبير المتاحة في الصحافة العربيّة. يرصد العمل تجارب ثلاثة رسامين هم: محيي الدين اللباد من مصر، وعلي فرزات من سوريا، وسليم من الجزائر». وإلى جانب هذا المشروع، تتابع هالة الإعداد لمجموعة بورتريهات عن نساء من العالم، ستفتتحه ببورتريه للمخرجة والكاتبة اليونانية لوكيا ريكاكي...
تنتهي نصف الساعة. تهمّ هالة بحمل حقائبها للذهاب إلى المطار. نجرّب أن نلتقط صورة للبورتريه. الإضاءة معتمة في المكان، تعدنا بإرسال صور عبر البريد الإلكتروني. للاحتياط نلحق بها إلى فندق مجاور. تفشل اللقطة الأولى، وتنجح الثانية إلى حدٍّ ما. لنقل إنها على الأقل... تفي بالغرض.


5 تواريخ

1956
الولادة في حماة (سوريا)

1978
بداية المنفى الباريسي
دراسة علم الوراثة والأنثروبولوجيا والسينما

2006
فيلمها الأول «أنا التي تحمل الزهور
إلى قبرها» بمشاركة عمار البيك،
جائزة اتحاد الوثائقيّين من «مهرجان البندقية» (فينيسيا)

2008
كتابة وإخراج «هيه... لا تنسي الكمون»

2010
تُعدّ فيلماً عن رسامي الكاريكاتور العرب بعنوان «رسم كل صباح»