قد لا يكون أصغر المخاتير سنًا لكنه، من أكثرهم خبرةً واطّلاعاً على أسرار المهنة وتفاصيلها، هو الذي دخل «السلك» في سن السابعة عشرة مساعداً لوالده المختار فايز سليم، فتفوّق فيها


منهال الأمين
عندما انتُخب حسان سليم مختاراً عن حيّ قرانوح في حارة حريك عام 1999، كان عمره 29 عاماً. هكذا باختيار أو من دونه، أصبحت للفتى «مهنة» أخذت كل وقته وجزءاً كبيراً من طموحه، لكنه يتقنها ويؤدّيها على أكمل وجه. إذا ما «تورّطت» وسألته سؤالاً إدارياً، تلقى جواباً أكثر من شافٍ. لا يترك كبيرة ولا صغيرة في القانون إلّا ويذكرها. وهذا ما شجّعه ربما على الالتحاق بكلية الحقوق، لكن «هموم المخترة» منعته من تحقيق حلمه «كأيّ شاب»، فوقف عند السنة الثانية «على أمل نكفّي بعدين، بلكي بس نبطّل مخترة». أمر غير وارد في المدى المنظور، فهو لا يعرف نفسه إلّا مختاراً. ثقته بنفسه واطّلاعه على القانون، يخوّلانه مقارعة الكثير من الجهات، لكنه يذكر استدعاءه مرة إلى التحقيق لأنه أنجز إخراج قيد لأحدهم تبيّن أنه مزوِّر. وعلى الرغم من أن موقفه بقي سليماً لأنه استند إلى دفتر خدمة علم مزوّر، فإنه لن يغفر لنفسه هذه «الهنّة»، ومن يومها صار أكثر تشدداً وتدقيقاً.
تتعدّى مهارات حسان الإلمام الدقيق بالقوانين، إلى حفظ أرقام السجلات بدقة. يرمق الداخل إليه، وقبل أن ينظر إلى أوراقه يبادره بالقول: «مش إنت ابن فلان... أخذتك عالخيلة»، ويسارع إلى ذكر رقم سجله. لا يقتصر الأمر على أبناء ضيعته، بل يشمل حتى قاصدي مكتبه من المقيمين في الحارة والضاحية عموماً، لذا فهو خبير في «لفة العروس» التي تتطلبها المعاملات في الدوائر الحكومية، إلى أي قضاء وعند أيّ مختار أو مأمور نفوس، فيرشد صاحب المعاملة أو يقوم بالمهمة عنه، عبر وسطاء صار إنجاز المعاملات مهنة لهم «ولكن بحق الله» يشدّد حسان، «لأن هناك زملاء لا يرحمون صاحب الحاجة».
حسان أدخل المكننة إلى عمله منذ زمن طويل. في حال المراجعة، يستدعي بيسر أية معاملة مهما مرّ عليها من زمن. يرفض فكرة الاستغناء عن المختار لأن الأخير «أصبح جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاجتماعي، فهو غالباً ما يؤدي دور المصلح بين الناس الذين يدخلونه في تفاصيل التفاصيل»، وهذا ما يجعله يشعر بأنه «أُلبس عباءة المخترة باكراً جداً». وعلى الرغم من نجاحه في حلّ كثير من المشاكل بين المتخاصمين الذين يلجأون إليه، فإنه يرى أنه كان صغيراً في العمر على مثل هذا الدور الذي أُقحم فيه من دون اختيار. يحتفظ لمهنته بكثير من مشاعر الودّ، على الرغم من أنها تسلبه الراحة والخصوصية «فنحن معشر المخاتير كالجمّالين يجب أن نعلّي باب الدار» لذا فإن العمل لا يعرف وقتاً ولا مكاناً «كالطبيب وأكثر».
مكتبه ومنزله في حارة حريك «الضيعة»، كما يسميها، فهي «المجال الحيوي» الذي يسبح فيه، لخدمة أبنائها والقاطنين، وقد تجاوزوا المئة ألف. فهل يعاملهم حسان بسعر أهل الحارة؟ يتحدّى بالأرقام التي تؤكد أن 90% من معاملات مكتبه للمقيمين لا المسجلين، فهم صاروا أقلية. لذا، فهو يدعو إلى أن يكون الاقتراع في أماكن الإقامة على الأقل في الانتخابات البلدية والاختيارية «لأنّ من حق المواطن أن يحاسب من يدفع له الضرائب».