سباق محموم بين مكاتب المحاماة الأميركية على كسب ثقة عائلات ضحايا تحطم الطائرة الإثيوبية في الرحلة ٤٠٩ المنكوبة. جديد القضية ائتلاف رباعي من أبرز مكاتب المحاماة الأميركية، على رأسه مستشار ذائع الصيت يدعى جورج هاتشر، بالتنسيق مع خمسة محامين لبنانيين يسعون إلى التواصل مع العائلات


بسام القنطار
سجلت قضية تعويض عائلات ضحايا تحطم طائرة البوينغ 787/800 المتجهة من بيروت إلى أديس أبابا، تطوراً جديداً يعيد خلط الأوراق مجدداً لجهة السباق المحموم لكسب ثقة العائلات في توكيل مؤسسة قانونية بالدفاع عنهم والمرافعة باسمهم في المحاكم الأميركية للحصول على أكبر قدر ممكن من التعويضات.
اللاعب الجديد هذه المرة ائتلاف من أربعة مكاتب محاماة أميركية كبيرة قررت مجتمعة أن تقنع عائلات الضحايا بأنها الأقدر والأكثر خبرة، والأهم، أكثر التزاماً بالمعايير الأخلاقية والقانونية للمرافعة أمام المحاكم الأميركية.
الائتلاف مكون من مكتب مصري وفيتيتو، مكتب جيراردي وكييس، أنغستروم، وليبسكومب ولاك. على رأس هؤلاء مستشار مخضرم في حوادث الطيران يدعى جورج هاتشر. وتتعاون هذه المكاتب مجتمعة مع مجموعة محامين لبنانيين من بينهم المحامي جوزيف نصر الله.
استراتيجية الائتلاف الذي بدأ التحرك باتجاه عائلات الضحايا تختلف تماماً عن استراتيجية مكتب مانويل ريبيك، الذي سبق غيره في إعلان حصوله على تواقيع بعض العائلات للمرافعة أمام المحاكم الأميركية، إضافة إلى طلبه من محكمة كوك كونتي في إيلنوي ـــــ شيكاغو في الولايات المتحدة الأميركية، باسم ثلاث من هذه العائلات، في ٢٥ شباط الماضي، أن تأمر شركة بوينغ بتقديم جميع الأدلة والوثائق المتعلقة بسجلات التصميم والتصنيع للطائرة التي تحطمت، إضافة إلى أي سجلات تتعلق بصيانتها، منذ رحلتها الأولى في عام ٢٠٠٢. (الأخبار العدد 1065).
المحامي نصر الله أعلن لـ«الأخبار» أن استراتيجية الائتلاف القانوني الأميركي تقوم على مبدأ العمل بهدوء، بعيداً من الضجيج الإعلامي وتفادي الدخول في مغالطات قد تضلل عائلات الضحايا.
ويلفت نصر الله إلى أن الخطوة الأهم التي قام بها هذا الائتلاف هي احترامه لقانون نقابة المحامين الأميركية التي تمنع على مكاتب المحاماة الاتصال بعائلات الضحايا قبل مرور ٤٥ يوماً على وقوع الكارثة. ويلفت إلى أن هذا الأمر لا يتعلق بالاتصال بعائلات ضحايا أميركيين أو قاطنين في الولايات المتحدة الأميركية فحسب، بل بجميع عائلات الضحايا أينما وجدوا.
وفي مراجعة لهذا الموضوع تبين لـ«الأخبار» أن قضية انتظار ٤٥ يوماً هي مسألة بالغة الحساسية في القانون الفدرالي الأميركي، وأن مكاتب المحاماة هناك غالباً ما تُلاحَق وتُقدّم شكاوى بحقها على خلفية خرقها هذا المعيار الأخلاقي الذي يحكم مهنة المحاماة في بلاد العم السام التي تصنف بأنها البلد الأكثر سخاءً في دفع تعويضات عن خسارة الأرواح جراء حوادث الطيران. وفي مراجعة لمحركات البحث على الإنترنت، تبين أن مؤسسة ريبيك القانونية قد خرقت هذا المعيار مرات عدة غير آبهة بأي رادع، وأن مانويل ريبيك شخصياً لم يرتدع حتى عن لبس زي مسعف للوصول إلى أماكن تجمع العائلات المنكوبة بعد ساعات أو أيام على وقوع كارثة تحطم طائرة داخل الولايات المتحدة أو خارجها.

الفريق يضم إيرين بروكوفيتش التي عرفها الناس من خلال الفيلم
المحامي نصر الله أكد لـ«الأخبار» أن طريقة عمل «ائتلافه» هي الأفضل. ففي الدرجة الأولى ينبغي التعاون مع محامين لبنانيين عندما يتعلق الأمر بحادث في لبنان، ووجود مستشار مثل جورج هاتشر على رأس هذا الائتلاف يعطيه صدقية كبيرة لجهة الاحتراف والفحص القانوني الدقيق لإمكان تقبل المحاكم الأميركية النظر في الدعوى. ويرى نصر الله أن كل حديث عن رفع دعوى في شيكاغو أو غيرها تضليل، فما قامت به مؤسسة ريبيك هو مجرد التماس للمحكمة، التي يجب أن تتوافر لديها أدلة تمكّن القاضي من قبول الدعوى، أو تحويلها إلى محكمة البلد الذي وقعت فيه الحادثة.
الائتلاف الأميركي لا يستبعد أن يقبل القضاء الأميركي النظر في القضية، لكن الأمر لا يتعلق بدعوى واحدة تقدم باسم جميع العائلات، بل إن الأساس القانوني للدعاوى يقوم على مبدأ «لكل ضحية دعوى مستقلة»، وهذا يعني الجلوس مع كل عائلة وإقناعها بالمسار القانوني وطريقة عمل الائتلاف وصولاً إلى تقديم الدعوى والسير بها قدماً.
يرفض نصر الله مقولة أن في استطاعة مكاتب المحاماة أن تقوم بتحقيق متكامل يحدد المسؤوليات للمطالبة بالتعويضات. ويرى أن تحقيقات مكتب المحاماة المستند إلى أفضل الخبراء هي أمر بديهي، لكن تقرير لجنة التحقيق التي ألفتها الحكومة اللبنانية سيمثّل مرتكزاً أساسياً لتحديد الجهة أو الطرف المسؤول عن تحطم الطائرة. في المقابل، إن هذا التقرير على أهميته يمكن نقضه من شركات التأمين وغيرها من أطراف الدعوى، أي إنه ليس ملزماً للقضاء الأميركي، لكنه بالتأكيد مستند أساسي للمرافعة. لذلك، إن نتائج التقرير الرسمي هي بالغة الأهمية وقول عكس ذلك تضليل أيضاً. وفي هذا الكلام غمز من قناة ريبيك الذي كان قد قال لـ«الأخبار» إن انتظار التقرير النهائي مضيعة للوقت.
رأي نصر الله يؤيده المحامي جان بارودي الذي أكد أنه تقدم أخيراً بصفته وكيلاً عن ورثة المرحوم أنيس صفا بطلب إلى القضاء لتعيين خبير في شؤون الطيران للتحقيق ببعض جوانب الحادثة. وهذا الطلب هو قيد النظر حالياً.
يستعد الائتلاف الأميركي للتواصل مع عائلات الضحايا، وهو في صدد زيارة لبنان قريباً، إذ يخطط للقاء العائلات ومن يمثلهم للبرهان بالأدلة على أنه «الأقدر على تقديم الدعوى أمام القضاء الأميركي». عدّةُ الإقناع حاضرة أيضاً من سجل مكاتب المحاماة الأربعة في حوادث الطيران إلى قيمة التعويضات التي حصّلتها، وصولاً إلى السيرة الذاتية الحافلة لهاتشر مستشار الائتلاف، إضافة إلى أن فريق العمل يضم إيرين بروكوفيتش الناشطة الأميركية الشهيرة التي استطاعت أن تقاضي شركة أميركية على خلفية قضية تعويضات عن تلوث سببته الشركة في ولاية كاليفورنا. ولقد حازت بروكوفيتش شهرة واسعة بعدما تحولت تجربتها فيلماً هوليوودياً أدّت بطولته الممثلة جوليا روبرتس، ونالت جائزة أوسكار.
ما يميز الائتلاف الأميركي أيضاً، دقته في تحديد نسبة الأتعاب التي يتقاضاها. الأمر محسوم من البداية، ٣٠٪ من قيمة التعويضات. على عكس مؤسسة ريبيك التي حددت بدل أتعباها من ٢٠ إلى ٣٣٪ بحسب مسار القضية. وبشأن هذا الأمر، يعلق نصر الله بالقول: «يجب ألا يخضع الموضوع للمساومات، الرقم الثابت يعطي صدقية وثقة، وفي النهاية ما معنى أن أطلب ٢٠٪ وأعمل كل ما أستطيع لكي أحصل على ٣٣٪؟ الوضوح مطلوب من البداية، وبدل الأتعاب لا يخضع للمساومات، وهذا أفضل للعائلات».
نقطة أخرى يلفت إليها نصر الله، هي الخلط بين التعويضات الفورية التي تكفلها الاتفاقيات الدولية والتعويضات الإضافية التي تقرها المحكمة. والأهم بالنسبة إليه هو التأكيد أن التعويض يجب أن يحدد لكل ضحية وأن لا يُتسرّع في التفاوض مع شركات التأمين وإعادة التأمين، ومكتب المحاماة الذي يقنع أهالي الضحايا بالانتظار وعدم الدخول في تسويات سريعة مع شركات التأمين هو الأكثر خبرة، وهو الذي يعتد به للمرافعة في قضية التعويضات.


جورج هاتشر

يكفي أن نستخدم محرك البحث للتعرف إلى هذا الرجل. غالباً ما يؤدي هاتشر دور صلة الوصل بين المحامين الأميركيين وعائلات الضحايا. ويوكل مهمة تقديم التوصية النهائية في مختلف المسار القانوني لدعاوى التعويضات. تحيط بالرجل مجموعة كبيرة من المساعدات، البريد الإلكتروني الذي يصل إلى مكتبه في الرابعة فجراً بتوقيت كاليفورنيا سيرَد عليه بعد ساعة واحدة. هذا يعني أن فريقه يعمل على مدار الساعة. برأي هاتشر إن عائلات الضحايا تقوم بخطوة بديهية بعد وقوع الكارثة، هي تكليف محامٍ محلي متابعة القضية. وهذه الخطوة ليست خاطئة، لكن من المعلوم أن خبرة المحامين في مختلف دول العالم في موضوع حوادث الطيران ضئيلة جداً، كذلك فإن تكاليف المرافعة مرتفعة، لذلك نجح هاتشر في أن يكون صلة الوصل بين محامين محليين ونظرائهم الأميركيين لضمان مرافعة قانونية فعالة بوجه محامي شركات التأمين الذين يتمتعون بقدرات استثنائية أيضاً. إنها معركة محامين إذاً، تبدأ كالعادة في كسب قلوب عائلات الضحايا المفطورة.