strong>«جيل جورج عبد الله» أمام السفارة الفرنسية

«ميشيل إليو ماري كاذبة»، العبارة التي أطلقها المحامي جاك فرجيس في بيروت، صدحت بها حناجر مئات المعتصمين أمام السفارة الفرنسية، مطالبين بالحرية لجورج عبد الله. «جيل جورج عبد الله»، هكذا اختاروا التعريف عن أنفسهم. جيل لم يتعرف جورج إليه بعد، لكنه بات يعرفه جيداً

بسام القنطار
على بعد أمتار من مقر السفارة الفرنسية في بيروت، وقف رجل بين مئات المحتشدين حاملاً صورة رفيق دربه: جورج إبراهيم عبد الله. يعرف أنيس النقاش، الذي كان يوماً مكان جورج، أن كاميرات الأمن الفرنسي تراقبه. ولأنها تقوم بذلك، تعمّد أن يسير أمامها على طول طريق الشام وعرضه، حيث تقع السفارة الفرنسية، الذي لم يعتد هذا الحجم من المعتصمين الذين هتفوا حتى بُحَّت حناجرهم: «الحرية لجورج عبد الله» و«ميشيل إليو ـــــ ماري كاذبة».
ونقاش، الذي خبر السجن الفرنسي، بعد اتهامه بمحاولة اغتيال شهبور بختيار آخر رئيس وزراء إيراني في عهد الشاه، كان يمكن أن يبقى حتى اليوم في سجنه الفرنسي، إن اتكل على حكومة بلاده لتفاوض من أجل إطلاق سراحه، لكن مذاق حريته كان إيراني الطعم أيضاً.
رجال الأمن الذين واكبوا الاعتصام الذي نظمته الحملة الدولية للإفراج عن جورج عبد الله، سُمعوا يشيرون إلى «الحشد الكبير» عبر هواتفهم النقالة، ولم يتردد أحدهم بالإبلاغ بأن «باصات محمّلة بعشرات الأشخاص تُنزل حمولتها أمام السفارة». يتقن رجال الأمن إحصاء المشاغبين، وهم حفظوا عن ظهر قلب وجوه المتظاهرين الذين يتنقلون حسب المناسبة التي دعتهم إلى النزول إلى الشارع، بين مقارّ الإسكوا والصليب الأحمر والسفارات الغربية والعربية. لكنهم أمس لم يستطيعوا التعرف إلى وجوه الهاتفين بالحرية لجورج عبد الله. الوجوه جديدة، لأنها ببساطة وجوه أهل جورج وأصدقائه وعشيرته العكارية الممتدة من القبيات المارونية إلى تكريت السُّنية، مروراً بأكروم. هؤلاء منهم من عرف جورج وقاتل معه، ومنهم من ولد بعد سنوات على اعتقاله، لكن صغارهم، قبل كبارهم، عقدوا على رؤوسهم عصبات بيضاء كتب عليها «جيل جورج عبد الله». وأُلقيت كلمة الحملة التي أكدت أن «جورج عبد الله هو مقاوم عربي قاتل الاحتلال أينما وُجد، ما دام هذا الاحتلال قد وطئ أرض بلاده الغالية»، وأكدت أن اعتقال عبد الله «وصمة عار على العدالة الفرنسية وحقوق الإنسان». ولفتت إلى أن قرار عدم إطلاق سراح عبد الله هو كما قال وزير الخارجية الفرنسي الأسبق الذي أتى للتضامن مع جورج، «كالسرطان على وجه العدالة الفرنسية»، مشدداً على أن «جورج عبد الله لن يبقى إلى الأبد في السجون الفرنسية»، كما كانت قد توعدت بوقاحة وزيرة العدل الفرنسية خلال زيارتها الأخيرة لبيروت قبل أسبوع بدون أن ينتزع تصريحها ذاك أي رد فعل من وزير العدل اللبناني الواقف إلى جانبها. وأشارت الكلمة إلى أن «المقاومة التي رفعت شعار نحن قوم لا نترك أسرانا في السجون الإسرائيلية، هي المقاومة نفسها التي ترفع اليوم شعار نحن لا نترك أسرانا في السجون الفرنسية ولا في السجون المصرية ولا في أي سجن يقبع فيه مقاوم حمل راية فلسطين».
وفي رسالة إلى الدولة اللبنانية، شددت كلمة الحملة على أن المعتصمين جاؤوا «إلى هنا اليوم لنقول للسلطات اللبنانية، جورج عبد الله مواطن لبناني منذ أكثر من عشر سنوات»، مطالبة كلاً من الرؤساء الثلاثة ووزيري الخارجية والعدل، بأن يرفعوا الصوت عالياً من أجل حريته وأن يستدعوا السفير الفرنسي ليسألوه عن سبب احتجاز مواطن لبناني بعدما أمر القضاء الفرنسي بإطلاق سراحه عام 2003.
وللدولة الفرنسية، توجهت الحملة بالقول: «لم يعد لبنان دولة منتدباً عليها لكي تأمرونا ونكون نحن الخدم، لم يعد لبنان دولة تابعة لكي تقولوا إن جورج عبد الله سيبقى في سجنكم إلى الأبد». وتابع: «من هنا، من بيروت، من أمام السفارة الفرنسية رسالة أيضاً إلى سفارة الإدارة الأميركية في عوكر التي هي السجان الحقيقي لجورج عبد الله»، بالاعتماد على ما كان قد قاله وزير الخارجية الفرنسي الأسبق رولان دوما، معتمداً على وثائق رسمية بحكم عمله.
بعدها، تلا هادي بكداش «نداء بيروت» الذي تضمن التوصيات الموجهة إلى السلطات الفرنسية والصادرة عن المؤتمر. ولفت البيان إلى أن عدم إطلاق سراح عبد الله، رغم استيفائه للشروط المطلوبة لإطلاق السراح المشروط، منذ عام 1999، هو قرار سياسي تتحمل مسؤوليته السلطات الفرنسية من الناحيتين القانونية والأخلاقية، واضعاً القضاء الفرنسي أمام استحقاق إثبات استقلاليته ورفضه للضغوط الأميركية والإسرائيلية.
وأشار النداء «إلى أن الحكومات اللبنانية المتعاقبة (باستثناء حكومة الرئيس الحص الأخيرة)، أهملت قضية عبد الله، وهذا التقصير المتعمّد لا يمكن فهمه إلا من زاوية التعاطي مع السلطات الفرنسية بصفتها منتدبة على لبنان. لذلك، ندعو السلطات اللبنانية إلى التدخل الجدي لدى السلطات الفرنسية ومطالبتها بالإفراج الفوري عن عبد الله. وفي حال عدم استجابة السلطات الفرنسية لهذا المطلب، ندعو إلى اقتراح مشروع قرار أمام مجلس حقوق الإنسان».
آلان بوجولا، القيادي في الحزب الجديد لمناهضة الرأسمالية في فرنسا، أراد أن يكون مع المتضامنين «في يوم جورج» كما قال لـ«الأخبار». بوجولا سبق أن نظم مع رفاقه عشرات الاعتصامات مع جورج في باريس. ولفت إلى أنه «أثناء انعقاد مؤتمر باريس 3، اقتحمنا السفارة اللبنانية في باريس ووضعنا لافتة الحرية لجورج عبد الله». كان بوجولا يريد أن يقوم بالخطوة نفسها أمام سفارة بلاده في بيروت، «لكن المهمة كانت صعبة خارج الحدود» كما قال، مضيفاً: «كان علينا أن نصرّ على الدخول. لا نملك سوى إصرارنا».



لا نستجدي الحرية

توجه وفد لتسليم رسالة إلى السفير الفرنسي. عند المدخل يقف رجل استخبارات فرنسي بثيابه المدنية، ويسأل الأمن اللبناني: «ماذا يريد هؤلاء؟»، قبل أن يطلب بفظاظة من وسائل الإعلام أن لا تلتقط صوراً له، غير متردد في تسديد بعض الضربات بكوعه إلى المصورين الذين استاؤوا بشدة. دقائق، يخرج بعدها مسؤول أمن السفير، الرائد أوليفيه غيرو، الذي توجه إليه جوزيف عبد الله شقيق جورج بالقول: «نحن هنا لا نستجدي حرية جورج عبد الله، بل نطالب بالعدالة، لكنكم للأسف مجرد مستخدمين لدى الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. لبنان وطن سيد حر، ولستم منتدبين عليه».