أنسي الحاج

ما حاجتك إلى ذاتك؟
البوحُ ليس قوّةً ولا هو ضعف. بوحكَ يكتسب تصنيفه من نوعيّة سامعه. الاكتفاء بالذات أَرْيَح ولكنّه مغلقٌ وجبان. الحاجة إلى آخر، البحث عنه حتّى خلال الرقاد العميق، الحلم به، تحسُّسُ ملامحه عند كلّ مفترق، لا هو ضعف ولا هو قوّة، إنّه إحدى العينين.
والخيبة التي ستحصل بهذا الآخر بعد لقائه ليست ضعفاً ولا هي قوّة، إنْ هي غير صفحةٍ لا بدَّ من طيّها لاستنشاق الصفحة التالية.
هذا الشغور الناهد إلى امتلاء هو بدوره امتلاءٌ يسعى إلى مَن يلتهمه. كلّ شخص منّا يبحث عن آكلِه. وما لم يجده سيظلّ قلبه مفتوحاً.
جوعكَ إلى مَن يأكلك هو أسبق من جوعك إلى مَن تأكله. الحاجة إلى أن تُرْغَب أكبر من الحاجة إلى أن تَرْغَب. كلّ الرجال يبدأون نساء. كيف أمكن هذا الشخص أن يسكت طوال الوقت؟ لأنه يحتقر ذاته. يحتقرها لأنه لا يُحسن طلب اللجوء، لا يعرف الالتماس، يتعثّر في السير نحو الآخر.
تظنّ أنك تبحث عن ذاتك ولكن ما حاجتك إلى ذاتك؟ مَن قال إن ذاتك هي غير هذه التي بين يديك!؟ إن كنتَ وحيداً، فقد آن لك أن تهرب من الوحدة، وإن كنتَ مأهولاً فأعطِ بعض أهلك ليملأوا فراغ سواك. الآخر الذي تدّعي أنّك لستَ بحاجة إليه لأنه سيكون دخيلاً، أنتَ في الحقيقة تتفاداه لبخلكَ لا لخشيتك من اقتحام سكونك. إذا كنتَ مؤمناً فأين ستجد الله أكثر ممّا تجده في الآخر وإذا كنتُ ملحداً فأين ستجد بديلك أو صنوك أو ضحيّتك أو جلّادك في غير الآخر؟
يبقى الناسك الصامت. هذا، ومثاله في لبنان القدّيس شربل مخلوف، أرتاحُ في المطلق إلى وجوده ولكنّي لو تعرّفتُ عليه في الواقع لتهيّبتُه حتّى الخوف. نقاؤه أعلى من طاقة الرئتين. أصبح هو والصومعة صلاة في محراب، سكوتاً في سكوت، سماءً في سماء. ماذا كان يدور في فكره؟ أيّ مشاعر كانت تمرّ به؟ هل شكّك؟ هل مرّ بنوبات صراخ؟ ألم يعرف الهاوية؟ كيف يتحمّل إنسان أن يغدو غياب ذاته؟ ويغدو ما نراه نحن غياباً هو الحضور الجوهري؟
تحضر صورة أبي الهول، لكن أبا الهول حجر، وهذا الحجر الوحيد الساكت مأهول بالسيّاح. شربل شخص من لحم ودم قدّم إلى العالم كنوز صمته وسط عزلة هائلة. الكلمة أعجوبة، صحيح، وحتّى تبقى كذلك لا بدّ من حين إلى حين أن يفديها الصمت. الكلام هو الحياة، الكلام المحفور بالصمت هو الشعر، الصمت هو أعمق موقف يتّخذه الإنسان من الله. والشيء في هذا المجال يشبه عكسه تماماً: عندنا ما نقول أكثر ممّا يتّسع القول، وفي الوقت ذاته لا شيء ممّا عندنا يستحقّ القول، وإذا كان يستحقّ القول فمَن له طاقة على السماع؟


الخالد المجهول الهويّة
حتّى لا يشعر القارئ، حين تطالعه الصحف بلقب «المفكّر» فلان قبل هذا الفلان أو ذاك من السادة، أن هؤلاء مفكّرون والآخرين، بمَن فيهم القارئ نفسه، أغبياء، نقترح بدلاً منها كلمة سيّد أو أستاذ، وإذا كان كاتباً لفظة كاتب، وكاتباً في الأدب لفظة أديب، مع تحفّظنا عن سائر الألقاب مثل «المحامي» و«المهندس» لأنهما من باب الدعاية للمهنة، وأمّا «الدكتور» فلا بأس، وليتها تكتمل بنوعِ اختصاص حاملها فلا يُخلَطُ بين الطبيب والدكتور «المعنوي».
تبقى كلمة «مثقّف»، ثالثة الأثافي. قريباً تصبح «المتعلّم» فلان. وربّما بعدها أهل السرتفيكا. أصلها فرنسي، ترجمة «انتلّكتيويل». والمصدر هو العقل، الذهن، الفكر، أضيفَ إليها، بعد قضيّة دريفوس الضابط اليهودي في الجيش الفرنسي الذي اتُّهمَ بالتجسّس لألمانيا وتشكّلت جبهة دفاع عنه أبرز ما بقي منها مقال لإميل زولا بعنوان «إنّي أتّهم!» ـــــ أضيفَ إليها مفهوم الأدب مخلوطاً بالصحافة والسياسة والشأن العام. هذا النموذج الأُنسيّ أو الإنسانوي (تعريباً لأومانيست) تَعمَّم وازداد رسوخاً مع جان بول سارتر الذي يُعتبر تجسيداً تامّاً له ومَرْجعاً فيه، وهو يلبسه أكثر ممّا يلبس أيّ «مثقّف» آخر. ومعه وقبله وبعده، بدرجة أقلّ توهّجاً، مورياك ومارلو وكامو.
تحمل هذه التصنيفات عناصر ضيق لأنّها فضفاضة ولأنّها تُخْلَع اعتباطاً غالب الأحيان على مَن لا يستحقّها وعلى مَن يستعملها كإعلان اجتماعي. وقد تحوّلت إلى وعاء يُخْلَط فيه الصافي بالعَكِر. ويمكن بسهولة أن نتخيّل وجود جبران أو الريحاني أو طه حسين بيننا حاليّاً وإسراع الصحف والشاشات إلى تعريفهم بـ«المثقّفين». ولكنّه، رغم تفاهته، يبقى تعريفاً أهون شرّاً من تهمة الفيلسوف لجبران و«عميد الأدب العربي» لطه حسين، فضلاً عن فيلسوف الفريكة لأمين الريحاني.
نحلم كثيراً إذا تطلّعنا إلى زمنٍ يصبح فيه الاسم تعريفاً كافياً بصاحبه. ونحلم أكثر إذا تطلّعنا إلى زمنٍ مخيف ورائع يصبح فيه الأثر معرّفاً عن نفسه، كأن تقول الأكروبول والأهرام وقلعة بعلبك، ولا مَنْ يسأل عن اسم «صاحبه». ونعود هكذا إلى المؤلّف العام، إلى الغامض الذي لا يُحْسَد ولا يُنْقَد، إلى الخالد المجهول الهويّة.

شاعرٌ بلا كتاب
كلُّ موتٍ مستغرب. بعضه قَطْع علاقة فظّ، صفعة تزيد الأحياء احتقاراً للقَدَر وإمعاناً في بعزقة الحياة.
في العادة يكون الرثاء للمشاهير. جورج ضو، رفيقي الذي انطفأ قبل أيّام، كان شاعراً قبل أن يصبح صحافيّاً. شاعرٌ بالوجود، بالرفض والسخرية والاستنتاج. جاهد العمر لتحصيل اللقمة وبذل نفسه كتابة عمّن لا يجمعه بهم غير حاجته إلى العمل، هم في مراتب السلطة والثروة وهو القلم البريء المتنقّل من تلميع صور الفنّانين إلى اختراع معنى لكلام السياسيّين إلى الكتابة عن «نشاط» رجال المال والاقتصاد الشاطرين في امتصاص دمه ودم أمثاله. لم يكن جورج مشهوراً، فقد اختار الظل، ورفض جميع مظاهر «الترقّي» الاجتماعي.
كان، في بداية خروجنا معاً من المراهقة إلى دنيا العمل، يعاتبني بمرارة كلّما رآني «أنجح» في شيء. كنّا شلّة من الفاشلين على طريقة جيمس دين، يربطنا قَسَم سريّ على رفض النجاح لأنّه خيانة. بالكاد نجحنا في البكالوريا. غير ذلك يقضي الصدق والأمانة بأن نظلّ بوهيميين وعلى شفير الجوع. وكان جورج زعيم هذه الشلّة وملهمها. كانت أقصى درجات بورجوازيتنا فنجان قهوة في مقهى لاروندا على البرج. وبقي على عهده حتّى عندما صار بعض المال يصل إلى يده، فيسارع إلى إنفاقه بأسرع ما يكون.
أثّر فيّ جورج ضو أكثر ممّا فعل أيّ كتاب. كان أول كائن عَبَثيّ يعيش تناقضاته بل تناقضات الحياة أمام عينيّ على طول الأيّام وخصوصاً الليالي. وفي ما بعد، حين كان يبدي مرّات إعجاباً بشيء لي، كنتُ أشعرُ بخجلٍ عميق، لا خجلَ التواضع أو عدم الاستحقاق، بل خجل الخيانة. فقد كان الوفاء يُلزمني بأن أبقى طيّ الغمر، لكنّ هوى الظهور كان أقوى فيّ من الزهد، عفوكَ يا جورج. ليتك تعرف أنني في الحقيقة لا أقلّ اليوم، وبنتيجة الفحص، فشلاً عمّا كنّا ننوي.
كَتَب هذا المهدور هدراً مقطوعات وجدانيّة في مطلع الشباب ربّما نشر بعضها في مجلتَي «الأجيال الجديدة» و«المجلّة» أواخر الخمسينات. كانت تنبئ بموهبة لها قَدَم في الجبرانيّة وقَدَم في مجهول مفتوح. ثم جرفته هموم الحياة وترمّدت أحلامه القديمة.
شاعرٌ بلا كتاب. أعمق أثراً من أيّ كتاب. وَاخجلي منكَ ومن شقيقتك ليلى، زوجتي وملكتي، كيف ذهبتما وأنا بقيت.

الأقفاص المفتوحة
هل الجسد مجرّد إناء للروح ما إن ينكسر حتّى تفوح الروح منعتقة إلى مصير أبهى؟ هذا الجسد السجن... ماذا لو كان هو سجين الروح وهو الذي يرتاح منها عندما يموت؟ هذا الجسد المُهان من المهد إلى اللحد لا الحياة ترأف به ولا الموت... والطير الذي وُضع في قفصه يظلّ يشكو حتّى يفلت من القفص... حمولة لم تطلب حاملها وحامل لم يأته من حمولته غير القلق من فقدانها.
الصورة، اللوحة، أليست أنصف لنفسها ولخالقها وللناظر إليها؟ أليست أكثر جمالاً وكمالاً؟ لا أجهزة هضميّة ولا تناسليّة للصورة واللوحة ولا روائح أعضاء، والحياة فيها تغلي وتشعّ في دائرة ثبات يوحي بحراً لامتناهياً من الحركة. والروح، الروح المتجسّدة هنا في أرقى عطاءاتها، لا تتذمّر من أَسْرٍ مزعوم ولا تُهدّد بأن تفيض إلى باريها. الروح هنا ترفع الصلاة كلّ ليلة على نيّة الإطار الذي يحويها، حتّى يطيل احتضانه لها وتظلّ ضيفة عليه.
لننظر إلى أعمال الأدباء والفنّانين، لنتذكّر سِيَر الاصلاء، لنصغِ إلى الألحان والأغاني، لنقف أمام هندسة هذه العمارات وتلك الجِلال، لنُعِد مشاهدة هذا الفيلم رغم نواقصه، ولنسمع معها سكوت الفراغ سواء في حقل القمح تحت الشمس أو بين جدران الغرفة: هنا تُقيم الأرواح نضيرة، مستعدّة، ولا شيء يعود إلى التراب، والأقفاص جميعها مفتوحة...