تنشط الجمعيات والمنظمات في إقامة ورش عمل لتشجيع العاملين في قطاع الألبان في الجنوب على تربية الأبقار والمواشي لإنتاج الحليب وتصنيع مشتقاته كمشروع اقتصادي، فما هو رأي العاملين أنفسهم في القطاع المذكور؟


آمال خليل
تكاد تنطبق أهزوجة «يا غنماتي، انتو حياتي، تعو طعميكن، تعو شربكن..» على معظم أصحاب مزارع الأبقار والمواشي المنتجة للحليب في الجنوب، لما تتطلبه ماشيتهم من اهتمام على مدار الساعة. من جهته، لا يحدد حسين مشورب وقتاً معيناً لتفقد مزرعة الأبقار والعجول التي يملكها على بعد بضعة أمتار من منزله. في زي العمل في الحظيرة أو ذاك الذي يرتديه لاستقبال التجار الذين يزورون مزرعته، يقطع مرات عدة عمله في دكانه ليتوجه إلى المزرعة، إما لتأمين العلف والشرب أو للعناية بماشيته في حال مرضها أو تسريحها للرعي أو لحلبها. فقد ارتبط أكثر من ثلثي حياة حسين الذي لم يتخطّ الخمسين من عمره بقطاع المواشي كمصدر رزق له ولأولاده الخمسة، بعدما كان مصدراً لعيشه وإخوته في منزل ذويه، بيعاً وشراءً وإنتاجاً للحليب ومشتقاته.
يصف مستهلكو المنطقة الحليب المنتج من مزرعة حسين بأنه من أجود الأنواع في منطقتهم في قضاء الزهراني. فالرجل يحلب البقرات بواسطة الحلابات التي لا تمسها الأيدي ثم يحفظها في عبوات مختلفة الأحجام. بعد الحلب، تعقم درات الأبقار بأدوية خاصة منعاً لالتقاطها الجراثيم وإصابتها بالتهابات تضر بصحتها وتؤثر على نوعية الحليب. بعد ذلك، ينقل الحليب مباشرة إلى دكانه حيث يحفظ جزءاً منها في براد خاص ويصنع من كميات أخرى اللبن واللبنة البلدية والجبن من نوع دوبل كريم والعكاوي البلدي. اقتصار تصنيعه على هذه الأنواع يعود إلى سببين رئيسين أولهما: كمية الحليب المحدود الذي لا يكفي لإنتاج أنواع مختلفة من الألبان والأجبان التي تتطلب جهداً مضاعفاً وآلات. وثانيهما: طلب المستهلك في القرى الأنواع الشائعة. من هنا، فإن أنواع القريشة والزبدة وغيرها من المنتجات التي كان يصنعها ذوو حسين «لا تجد رواجاً كبيراً نسبة للجهد الذي تتطلبه». ولأن الطلب على الحليب يخف في فصل الشتاء في مقابل ارتفاع إنتاج الأبقار بسبب توافر العلف الطبيعي (المراعي)، يبيع حسين جزءاً من منتوجه الفائض إلى أحد المعامل في بيروت.
حتى بداية فصل الصيف، يستمتع زبائن حسين بلون الحليب واللبن الأصفر الذي يعتبره الآباء والأجداد علامة الجودة البلدية. والسبب في ذلك اللون يعود إلى كون الأبقار ترعى خلال أشهر ذلك الفصل من المراعي الخضراء التي تدر الحليب وتمنحه النكهة والرائحة البلدية. أما على مدار الفصول، فإن العلف الاصطناعي يمنح الحليب لوناً يميل إلى الأبيض وطعماً أكثر دسامة ويجعل اللبن واللبنة سميكين.
يؤكد حسين أن «قطاع الحليب يمكن أن يكون مربحاً لكن ليس في لبنان في الظروف الحالية حيث الدولة لا تدعم وسائل إنتاجه وتسويقه». وبالرغم من أن حسين قد افتتح تجارته هذه بعجل واحد فقط، إلا أنه صار يمتلك حالياً أكثر من 35 بقرة و20 عجلاً. ويقر صاحب المزرعة بتبدل الأحوال في السنوات الأخيرة، وخصوصاً بعد عدوان تموز 2006. فبسبب تمدد العمران وتآكل المراعي، تزيد الحاجة إلى شراء العلف المؤلف من الفول والذرة المخمرة والقش والفصة الذي ارتفع سعر الطن الواحد منه بعد العدوان من 240 ألف ليرة إلى 750 ألفاً، وصولاً إلى سعره الحالي 400 ألف، بينما كيس نشارة الخشب الذي يرشه تحت الأبقار في المزرعة لمنع انزلاقها، سعره ثابت: 5 آلاف ليرة، إلا أن الأدوية البيطرية تظل كلفتها عالية لأنها جميعها مستوردة. في الوقت ذاته، لا يزيد سعر السواد إذا ما بيع للمزارعين عن ألفي ليرة.
ولأن كلفة الإنتاج على المزارع تزيد في مقابل ثبات سعر المنتج، لجأت مؤسسة جهاد البناء في الجنوب منذ أشهر عدة إلى افتتاح معمل لإنتاج الحليب في عيترون يشتري إنتاج المزارعين بسعر المفرّق لكي يرد جزءاً من تكلفته. ويوضح المهندس حسن حمد أن المؤسسة تسعى لتعميم تجربة المعمل وتوسيعه ليستوعب عدداً أكبر من المزارعين وإنتاجهم. ويأتي المعمل في إطار مشروع الترشيد على تربية الأبقار وإنتاج الحليب والأجبان الذي أطلق منذ ست سنوات. وبالرغم من أن المؤسسة تسعى إلى تأمين الأدوية والأطباء البيطريين وورشات التدريب والإرشاد الزراعي، إلا أن حمد يقر بأن «أي طرف لا يمكنه لو كان وحيداً أن يملأ مكان الدولة الغائبة في هذا المجال». ولا يقف الأمر عند غياب الدعم، بل المشكلة أيضاً في عدم ضبط تهريب الحليب من سوريا إلى البقاع، ما يضر بحسين وزملائه في الجنوب أيضاً. إذ إن انتشار الحليب المهرب في البقاع يؤدي إلى كساد الحليب اللبناني في باقي المناطق وتوجه أصحاب المعامل إلى شراء الحليب المهرب بسبب سعره الأرخص.