محمد شعير
فشل الروائي المصري إدريس علي في الانتحار مراراً. مع كل أزمة تواجهه، كان يلقي بنفسه في النيل. لكنّ النهر كان «رؤوفاً» به في كلّ مرّة. أصبح صديقاً للصيادين الذين أنقذوا حياته مراراً. لا يريد صاحب «المبعدون» أن يتوقّف طويلاً أمام مسألة الانتحار، يريد أن ينساه. وحين نلحّ في سؤالنا، يجيب: «حاولت الانتحار خمس مرات جدياً، والباقية كانت محاولات عبيطة». ربّما في جميع المرات، لم يكن إدريس يريد أن يموت. هل كان يتوقّع أن يُنقَذ؟ «أن تكون مثقفاً وسط بسطاء يتعاملون معك كمدّع أو كشيوعي «مجنون»، نوع من العذاب، وهذا ما دفعني إلى الانتحار».
منذ شهور، كان إدريس يسهر كعادته فى وسط القاهرة. وفي نهاية السهرة، استقلّ سيارة الروائي حمدي أبو جليل كي يأخذه إلى البيت. السيارة المتهالكة، من مخلّفات حرب نابليون على القاهرة، انقلبت في منتصف الطريق. وفيما حمدي يبحث عن سبيل الخلاص، كان إدريس يصيح فرحاً «حنموت... حنموت». ليست الحكاية السابقة «نكتة» يطلقها الخبثاء عن الكاتب النوبي الشهير. وحين صودرت روايته «الزعيم يحلق شعره» منذ شهور، لم يكن إدريس يخشى الموت. كان يخشى الحبس والتعذيب. دخل السجن مرة واحدة لفترة قصيرة، بتهمة التردد إلى مكتبة «المركز الثقافي الروسي» عام 1959، وخصوصاً أنّه كان مجنّداً. وكان ثمة توتر في العلاقة بين الرئيس عبد الناصر وخروتشيف، وهناك قانون يمنع تردد المجندين إلى المراكز الثقافية الأجنبية. وهناك تلقّى «علقة ساخنة»، فقد كانوا يخشون أن يكون مرتبطاً بأحد التنظيمات الشيوعية. بعد أسبوع من التعذيب، اكتشفوا أنّه ليس شيوعياً، فأفرجوا عنه بشرطين: «أن أظلّ لمدة عام في مدينة مرسي مطروح لا أحصل على إجازات لزيارة القاهرة، وأمتنع عن ارتياد المراكز الثقافية الأجنبية».

«هاجر» إلى القاهرة هرباً من البؤس، وهناك بدأت علاقته بالأدب مصادفةً، حين قرأ مغامرات أرسين لوبين
الانتحار كان المشهد الافتتاحي لسيرته الذاتية «تحت خط الفقر» (دار ميريت). ولد إدريس علي في قرية صغيرة في مدينة أسوان جنوب مصر. ساءت الظروف، واضطر إلى أن يترك التعليم، فكان قراره بالهجرة إلى القاهرة. قال لأمه «جهّزيني للسفر». قالت: «إلى أين؟». أجاب: «إلى القاهرة». قالت: «مصر يا بني غول كبير يبتلع الناس بلا رحمة. وكي تعيش هناك بكرامتك، لا بد من سلاح العلم حتى تحصل على لقب أفندي. فإذا رحلت الآن بحالتك، فستقع في جحيم الوظائف الدنيا».
في ساعته الأولى في «أم الدنيا»، شعر بالضياع. للمرة الأولى كان يرى عربات متراصة، وفوقها أكداس من الفاكهة من مختلف الأشكال والألوان. يتذكّر ضاحكاً: «لم أعرف في النوبة سوى البلح والدوم. أكلت البرتقال مرة واحدة. وسمعت عن التين والزيتون من القرآن. وفي الكتب المدرسية، عرفت بعض أسماء الفاكهة: القرد يقشر الموز، وسعاد تأكل البرتقال». قاهرة الأربعينيات والخمسينيات كانت ملاذاً لأحلام النوبيين الذين «يجاهدون للخروج من خندق الوظائف الدنيا»، كلّ على طريقته: بعضهم في طلب العلم، وآخرون في الغناء، وفئة ثالثة في احتراف كرة القدم. لم يكن إدريس يمتلك صوتاً يصلح للغناء، ولا مهارات تؤهله للعب الكرة... فماذا عن العلم؟
في البداية أخذ يبحث عن شغل: عمل في أحد المنازل، ومساعد كواء، وبقّالاً وعامل غسيل زجاج، وغيرها، قبل أن تستقر به الحال متطوعاً في قوات حرس الحدود. في تلك الفترة، سأله شاب في مثل سنّه: «هل قرأت شيئاً قبل اليوم». أجاب إدريس: «القرآن وكتب المدرسة». قال الآخر: «أقصد قصة؟». سأل إدريس: «ما هي القصة؟». فقدّم له مغامرات أرسين لوبين. هكذا بدأ إدمان صاحب «وقائع غرق السفينة» على القراءة. يقول: «أنقذني هذا الولد من مصير غامض، ربما كنت سأصبح لصاً أو مجرماً». مع الصديق الجديد، بدأت رحلة التردد إلى سور الأزبكية، والمراكز الثقافية الأجنبية. وكانت النقلة الأكبر في حياته حين تعرّف إلى الأدب الروسي: «هذا الأدب كوّنني. صارت عندي رؤية ووجهة نظر في الحياة».
وبعد فترة، تحولت الهواية التي يهرب عبرها من أوضاعه البائسة إلى احتراف. بدأ يكتب قصصاً ويراسل المجلات الأدبية عشر سنوات كاملة، حتى فوجئ بالكاتب الصحافي لويس جريس ينشر إحدى قصصه على الصفحة الأولى من مجلة «صباح الخير»، ثم تكرر الأمر. يضحك مجدداً: «في عام 1970، كنت مجنّداً. وأخذني الغرور بعدما نشرت قصصاً عدة. تصوّرت أنّني أصبحت كاتباً، وقررت ترك الخدمة في الجيش والتفرّغ للكتابة. لكنني سرعان ما فهمت أن الكتابة لا تكاد تدرّ عائداً مادياً».
فاز بجائزة أفضل رواية مصرية لعام 1999، فصافح الرئيس وحسّنت شركة المقاولات وضعه الوظيفي
في تلك الفترة، عاش إدريس بالفعل «مشاهد من قلب الجحيم». سافر إلى اليمن ليحارب هناك، ولم يكن يعرف لماذا هو هناك، «فالعدو في الجبهة الأخرى». وعاد من اليمن على جبهة القتال ليشهد مهزلة 67 التي خرج منها بجرح كبير لم يندمل حتى الآن. بعد خروجه من الجيش، كان شطّار الانفتاح قد بدأوا يحصدون ثمار الحرب. أما الجنود أنفسهم، فلم يكن لهم شيء. هكذا، سافر إدريس إلى ليبيا. هناك، نصحه صديقه الكاتب محسن الخياط ألّا يعمل في الإعلام الليبي، فاختار أن يكون عامل شباك تذاكر في إحدى صالات السينما. عاش هكذا أربع سنوات (1976 ـــــ 1980) كانت أيضاً من مشاهد الجحيم. كتب عنها روايته «الزعيم يحلق شعره»، آخر أعماله: «حاولت في هذه الرواية رصد الحياة الاجتماعية هناك». تتناول أحداث الرواية فترة إعلان السادات الحرب على ليبيا، ويرصد إدريس علي ما تعرّض له المصريون من انتهاكات وإهانات في تلك الفترة. عنوان الرواية كما يقول مأخوذ من عبارة للرئيس القذافي الذي حلم أن حلّاقاً يغتاله، فقرر إغلاق كل صالونات الحلاقة، وطلب من الليبيين أن «يحلقوا لأنفسهم» وأنه كزعيم «سيحلق لنفسه» أيضاً.
حين عاد من ليبيا، لم يكن قد أصدر أيّاً من أعماله. التقاه مصادفة الناقد يسري العزب وطلب منه مجموعة قصص، فكانت «المبعدون» ثم «واحد ضد الجميع»، فروايته «دنقلة» التي سبّبت بعض المشاكل. يقول: «لم يفهم أحد هذه الرواية، تصوّر النوبيون أنها تنتقدهم، واعتقدت السلطة أنني أنادي بانفصال النوبة عن مصر. بينما كنت أريد أن أدق جرس إنذار ضد خطر التطرف النوبي. وهذا ما حدث الآن. فالكتابة نبوءة واستشراف».
لم يحصل إدريس علي في حياته سوى على جائزتين: الأولى من جامعة «ارنكساس» في أميركا، والثانية حين اختيرت «انفجار جمجمة» كأفضل رواية مصرية عام 1999. وكانت الجائزة أن يصافح الرئيس حسني مبارك في افتتاح معرض الكتاب. يضحك كالعادة: «كنت أعمل في وظيفة متواضعة في شركة مقاولات، وكنت في نظرهم مجرد «شيوعي». لكن حين صافحتُ الرئيس، تبدّلت الحال. وفي اليوم نفسه من إعلان الجائزة، اتخذ مجلس إدارة الشركة قرارات مفاجئة، فعُدّل وضعي الوظيفي وصُرفت لي مكافأة مالية». لكن سرعان ما «يطمئننا»: «رصيدي في البنك صفر. ومعاشي لا يكفيني». هذا كل ما خرج به من الأدب، لكنّه صار حياته... كيف يهرب من حياته؟ يتوقف طويلاً قبل أن يقول: «ابني فعلها... انتحار ابني كان الأقسى. حطّمني تماماً»!


5 تواريخ

1940
الولادة في قرية قرشة في مدينة أسوان

1969
نشر أول قصة في مجلة «صباح الخير»

1985
أصدر «المبعدون» باكورته القصصية

1994
صدرت روايته الأولى «دنقلة» التي أثارت نقاشاً بشأن النوبة وأهلها

2010
مصادرة «الزعيم يحلق شعره». وقريباً تصدر له «الدار» رواية «المفسدون» عن كابوس الفساد في مصر