التحقيقات في جريمتي كترمايا لم تنته، ويستمر تراشق المسؤوليات بشأن حماية المشتبه فيه مسلم. الأضواء سُلّطت على القضيّة مجدداً، بعد ما نشرته وسائل الإعلام عن تورّط ب. أ. م بتحريض المشتبه فيه مسلم على قتل عمها، فيما الرواية تثير أسئلة كثيرة


حسن عليق ــ رضوان مرتضى
تعدّدت الروايات المنقولة من كواليس جريمتي كترمايا. في الجريمة الأولى، لا يزال الغموض يكتنف التفاصيل، رغم «كشف» قائد الشرطة القضائية العميد أنور يحيى عن اعتراف موقوفة بتحريضها «القاتل القتيل» على سفك دماء جَدّين وحفيدتين. أما في الجريمة الثانية، التي قتل فيها المشتبه في ارتكابه الجريمة الأولى، محمد مسلم، فيستمر تقاذف المسؤوليات بشأن القرار الذي قضى بنقل مسلم إلى كترمايا، حيث قتل وعلقت جثته في ساحة البلدة. وآخر ما صدر في هذا الإطار، تحميل العميد يحيى أحد مرؤوسيه مسؤولية القرار.

«الضحيّة تبتزّ المجرم»

بعيداً عن تقاذف المسؤوليات في الجريمة الثانية، استؤنف التحقيق الجنائي في الجريمتين. أوقف ثمانية أشخاص يشتبه فيهم بقتل الموقوف محمد مسلم والتنكيل بجثّته، فيما لا يزال أربعة آخرون مشتبه فيهم متوارين عن الأنظار. أما بالنسبة إلى الجريمة الأولى، فقد بدأ البحث عن الأسباب التي دفعت المشتبه فيه مسلم إلى تنفيذها (إن كان هو الفاعل)، ولا سيما أن المعلومات «الحقيقية» قد دُفنت معه. في هذا الإطار، ينقل العميد يحيى معلومات مصدرها أحد المخبرين، تفيد بأنه «ليل الثلاثاء، وقبل يوم من وقوع الجريمة، طلبت ب. أ. م. ابنة شقيق المغدور أبو مرعي، من القاتل مسلم أن يخلّصها من عمّها ويقضي عليه، لأنه يهددها دائماً بسبب سوء سمعتها وممارسة الدعارة، ولأنه يعترض على دخول رجال إلى منزلها، قائلاً إنه سيبلغ زوجها ض. ع عن سلوكها»، ويُشار إلى أن الزوج مسجون بجريمة قتل شقيقه بتهمة الاعتداء الجنسي على ابنته.

نقل العميد يحيى في تصريح إعلامي وقائع تحقيق سرّي لم ينته بعد
استغرب مسؤولون أمنيون وقضائيون لجوء قائد الشرطة القضائية إلى «خرق سرّية التحقيق وإدانة ب. أ. م. بعدما كشف اسمها بالكامل، رغم أن التحقيق لم ينته. كذلك فضح اسم ابنتها التي تعرّضت لاعتداء من الأب». يستغرب مسؤولون آخرون قول العميد يحيى، في مقابلة مع الزميلة «الديار» (نشرت أول من أمس) إن «ب. أ. م. قررت التخلّص من عمّها، واختارت محمد مسلم لتنفيذ مخططها بقتل يوسف أبو مرعي، مقابل أن تزوّجه ابنتها، علماً بأنها اتّهمته باغتصاب الفتاة قبل نحو شهر».
يكمل قائد الشرطة سرد روايته، فيقول إنه «جرى إحضار ب. أ. م. إلى مفرزة بعبدا القضائية»، مشيراً إلى أنها خضعت للاستجواب لدى المدعي العام كلود كرم، لافتاً إلى أنها اعترفت على الفور «من دون ضغط أو إكراه». لقد أدلى يحيى بدلوه. أخذ الإذن بالتصريح الإعلامي، ونقل وقائع تحقيق سرّي لم ينته بعد. ربّما، قرّر القضاء لاحقاً أن الرواية حقيقية، لكن ثمة العديد من الأسئلة التي لا تزال تُطرح حولها، وهل هي رواية منطقية. فلماذا لم يكتف مسلم بقتل يوسف (إن كان هو الفاعل)، إذا كان هذا هو الشرط لزواجه بابنة ب. أ. م.؟ ولماذا أجهز على زوجته وحفيدتيه؟ ولو افتُرض أن مسلم قتل الزوجة لأنها رأته أثناء قتله يوسف، فلماذا انتظر حتى وصول الطفلتين عند الثالثة، موعد عودة الطفلتين من المدرسة، ليقتلهما؟ علماً بأن الطبيب الشرعي رجّح حصول وفاة الجدين بين الساعة الواحدة والنصف والثانية والنصف من بعد ظهر ذلك الأربعاء.
«اعتراف» مسلم وصفه أكثر من مسؤول أمني بأنه «ركيك وغير قابل للركون إليه»
وفي ما يتعلّق بمجريات التحقيق والتساؤلات التي رافقته، تجدر الإشارة إلى أن مسؤولين أمنيين يتحدثون عن «حصول تناقض بين إفادة الموقوف محمد مسلم وإفادات عدد من الشهود الذين كذبوه، فأدى ذلك إلى انهياره واعترافه على الفور بأنه هو من نفّذ الجريمة». لكن الاعتراف المذكور وصفه أكثر من مسؤول أمني بأنه «ركيك وغير قابل للركون إليه». أما بالنسبة إلى قضية «العثور على سلاح الجريمة»، فقد علمت «الأخبار» أن محمد مسلم تحدّث عن مواصفات سكينين موجودين لديه. لهذا السبب، دهمت دوريات من قوى الأمن الداخلي منزله، حيث ضُبط عدد من «السكاكين النظيفة»، وفق إفادة والدة مسلم. لكن الأدلة الجنائية أجرت كشفاً على هذه السكاكين التي كان مسلم قد غسلها، فعثرت على حمض نووي لدماء واحدة من الطفلتين كان لا يزال في نصل السكين. كذلك عُثر على أثر لحمض نووي من المشتبه فيه كان عالقاً على قبضة السكين نتيجة عرقه. كذلك تبيّن للأدلة الجنائية أن قطرات الدم الخفيفة الموجودة على سترة محمد مسلم تعود إلى السيدة المقتولة كوثر أبو مرعي.

قتل مسلم: رمي المسؤولية

آخر الروايات عن جريمة كترمايا الثانية، أدلى بها قائد الشرطة القضائية، العميد أنور يحيى، في المقابلة التي نشرتها الزميلة «الديار». يقول يحيى إن «الرائد الرافعي أراد التدليل التقني، وبسبب اندفاعه وشجاعته في كشف مثل هذه الجريمة، قرر سوق المتهم إلى المنزل، وقد حذّرناه» من ذلك.
خلاصة الأمر، أن يحيى يحمّل المسؤولية لآمر مفرزة بعبدا القضائية الرائد مروان الرافعي. وكلام يحيى يصبح أكثر وضوحاً إذا ما عُطف على تصريح النائب وليد جنبلاط يوم 10 أيار 2010، في موقفه الأسبوعي لجريدة «الأنباء». حينذاك، طالب جنبلاط باستقالة أو إقالة الأمنيين المسؤولين عن سوق المشتبه فيه إلى كترمايا «ورؤسائهم»، وإلى إقالة أو استقالة النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي كلود كرم. وقد أكد مقربون من النائب جنبلاط أن موقفه يعني «رفع الغطاء عن العميد يحيى»، المحسوب عليه.
طرح العميد يحيى إمكان نقل الموقوف للدلالة التي تفرضها مقتضيات التحقيق، فوافق القاضي كرم مشترطاً عدم وجود وسائل الإعلام
أمام هذا الواقع، لم يجد يحيى أمامه سوى الهروب إلى الأمام، لمحاولة رفع المسؤولية عن نفسه، ورميها على مرؤوسه.
طوال اليومين الماضيين، تندّر مسؤولون أمنيون على «ديموقراطية العميد أنور يحيى». يقول مسؤول كبير في الأمن الداخلي: «لو كان مرؤوس العميد يحيى برتبة عميد، لما تجرّأ على معارضة أمر له، أو مخالفة تحذيره. فكيف الحال بضابط من رتبة رائد؟»، ثم يضيف: «أنا لا أنفي مسؤولية الرائد الرافعي في سوء تقدير الموقف (وهو ما دفع اللواء ريفي إلى إصدار قرار بتوقيفه 6 أيام، مع آمر فصيلة شحيم الملازم أول هشام حامد). لكن القوانين والتعليمات التي تحكم عمل المؤسسة تحمّل الرئيس مسؤولية أكبر من مسؤولية المرؤوس».
بعيداً عن «ديموقراطية» يحيى، يروي مسؤولون أمنيون نسختهم لما جرى في كترمايا، فيقولون: «بعد ساعات على جريمة كترمايا الأولى، أوقفت دورية من فرع المعلومات المشتبه فيه محمد مسلم، قبل أن تسلمه إلى فصيلة شحيم، بناءً على إشارة النائب العام الاستئنافي في جبل لبنان القاضي كلود كرم الذي كان موجوداً في مبنى الفصيلة. في الفصيلة، خضع الموقوف لتحقيق طويل، اعترف في نهايته بقتل الجدين والحفيدتين». (يجري الحديث على نطاق واسع داخل المؤسسة الأمنية وبين عائلة المشتبه فيه عن تعرضه للتعذيب خلال التحقيق، أو على الأقل، للضرب الذي صار اعتيادياً في مراكز التحقيق في لبنان)، علماً ان أحد الضباط نفى ذلك. حتى هذا الحد، لم يكن للشرطة القضائية أي صلة بالتحقيق، ولا بـ«الإنجاز» الذي ستقول القوى الأمنية إنها حققته، من خلال كشف الجريمة في أقلّ من 24 ساعة، فجريمة كترمايا ترقى إلى مستوى «المجزرة»، وتحظى باهتمام شعبي ورسمي وإعلامي كبير. وفي الحالات المماثلة، يقول مسؤولون أمنيون: «تتسابق الأجهزة الأمنية للوصول إلى «الحقيقة» كي تنسب الإنجاز لنفسها».

الجريمة الثانية

عند التاسعة صباحاً، وصل قائد الشرطة القضائية العميد أنور يحيى، وقائد الدرك العميد أنطوان شكور، إلى مبنى فصيلة شحيم. كان القاضي كرم قد غادر، وكان فريق إحدى محطات التلفزة في الانتظار. صوّر دخول قائد الشرطة القضائية إلى مبنى الفصيلة. ويؤكد مسؤولون أمنيون أن وجود الفريق الإعلامي لم يكن مصادفة، «إذ إن العميد يحيى كان قد اتصل بمندوب المحطة لتغطية وقائع تمثيل الجريمة. فما كان من الفريق الإعلامي إلا أن سارع لتسجيل الحدث، تماماً كما كان سيفعل أي إعلامي». يضيف المسؤولون: «استمع العميدان إلى الموقوف محمد مسلم، فجدّد اعترافه. سألاه عن الأسباب والدوافع فلم يُجب. اكتفى بالقول إنه يكره تلك العائلة. استمرّت الجلسة نحو ساعتين. أُعيدت الأسئلة لأكثر من مرّة، لكن الإجابة كانت واحدة. استنتج قائد الشرطة من خلال كلام مسلم أن ثمة ثغرة في التحقيق، فطلب إعادة الاستجواب. اتّصل بمكتب الأدلة الجنائية، طالباً إعادة الكشف على مسرح الجريمة. كذلك قرر أخذ الموقوف محمد مسلم إلى مكان حصول الجريمة لتمثيل الجريمة».
بحسب مسؤولين أمنيين وقضائيين، فإن الرائد مروان الرافعي اتصل بالقاضي كرم لنيل موافقته على تمثيل الجريمة. عندها، سأل كرم النائبَ العام التمييزي القاضي سعيد ميرزا، فأجابه الأخير رافضاً نقل الموقوف لتمثيل الجريمة في كترمايا، «وخاصة أن الضحايا لم يدفنوا بعد». وللسبب ذاته، يقول عدد من المطلعين على القضية، «رفض قائد الدرك، العميد أنطوان شكور، نقلَ الموقوف إلى كترمايا».
في هذا الإطار، يذكر العميد يحيى أن سبب الرغبة بنقل الموقوف هو التناقض الذي شاب إفادته بين المكان الذي عُثر فيه على جثث الضحايا وذلك الذي أشار إليه مسلّم. وبعدما رفض القاضي كرم تمثيل الجريمة (بناءً على رفض القاضي ميرزا)، عاد يحيى وطرح إمكان نقل الموقوف للدلالة التي تفرضها مقتضيات التحقيق، فوافق كرم مشترطاً عدم وجود وسائل الإعلام.
ثمة من يريد أن يرمي المسؤولية حصراً على ضابطين
قُضي الأمر، واقتيد الموقوف إلى مسرح الجريمة، في حماية دورية يرأسها آمر فصيلة شحيم الملازم أول هشام حامد، وفي حضور الرائد مروان الرافعي وعدد قليل من عناصر الشرطة القضائية. نُقل الموقوف ليلاقي حتفه، فيما غادر قائد الشرطة «لأن الإعلام لن ينقل وقائع الإنجاز الذي أراده للوحدة التي يرأسها»، حسبما يقول مسؤولون أمنيون. وقعت الجريمة الثانية. اعتدى مواطنون على عناصر الدورية واختطفوا الموقوف من بين أيديهم. ضربوه وحاولوا قتله. لكن الضابطين تمكّنا من سحبه من بينهم، بعدما أوهماهم لبرهة بأنه ليس القاتل. سُحب الموقوف إلى المستشفى الذي فيه جثث ضحايا الجريمة الأولى. لحق به الأهالي الغاضبون وأخذوه بالقوة من غرفة الطوارئ. وهنا سُجّل خطأ آخر ضد القوى الأمنية، لكنه هذه المرة ضد الرائد مروان الرافعي والملازم أول هشام حامد. سحل المهاجمون مسلم على الأرض، وضعوه على مقدمة سيارة المرسيدس ونحروه. أما باقي القصة فتفاصيلها صارت معلومة لدى الجميع، صور الجثة مسحولة ثم معلقة على عمود تصدرت وسائل الإعلام، صور الرجل الذي غابت ملامحه طغت على كل الصور الباقية. قوى عديدة استنكرت الحادثة، كما استنكرها سياسيون، ودار لغط حول كيفية حصولها، وذهبت بعض وسائل الإعلام إلى تبنّي الرواية القائلة بأن مسلم هو قاتل أبو مرعي وزوجته والحفيدتين، وذلك على الرغم من أن التحقيق لم ينته بعد، وأنه كان مشتبهاً فيه، ولم يكن «متهماً» في الجريمة بعد.
قُتل الموقوف محمد مسلم وعُلّق على العمود. واليوم، ثمة من يريد أن يرمي المسؤولية حصراً على ضابطين، هما: الرائد مروان الرافعي والملازم أول هشام حامد.


دور القاضي كرم

وسط تقاذف الأمنيين للمسؤوليات، ثمة إغفال لدور النائب العام الاستئنافي القاضي كلود كرم، فبحسب قانون أصول المحاكمات الجزائية، تجرى التحقيقات بإشراف النائب العام الاستئنافي. وعند حضوره، يقوم هو بالتحقيق، ولا يتركه بين يدي الضابط العدلي الذي يتحول إلى كاتب عند القاضي. وفيما يقرّ مسؤولون أمنيون بأن تقدير الموقف على الأرض هو من اختصاص الأجهزة الأمنية لا القضائية، ويركزون على دور العميد أنور يحيى (الصورة)، تطالب مصادر رفيعة في وزارة الداخلية بأن يُفتح تحقيق في القضاء، لتحديد المسؤولية التي يتحملها القاضي كرم. يقول مسؤول قضائي رفيع: «نرجو أن تنتصر وزارة العدل للقضاء، لا برفع المسؤولية عن القاضي كرم، بل بتحديد قدر هذه المسؤولية، إذ لا يجوز أن يُغضّ النظر عن أدائه، كما حصل قبل مدة، حين سجّلت سابقة استئناف قرار قاضي التحقيق المتعلق برد طلب استرداد مذكرة التوقيف الغيابية الصادرة بحق متوارٍ عن الأنظار، يعمل مرافقاً للمدير العام لوزارة العدل القاضي عمر الناطور.