من يضمن سلامة اللحوم التي يأكلها المواطن إذا كانت حماية المستهلك غائبة، والاتّكال على الثقة بالتجار سذاجة؟ أخيراً، انتشرت لوائح تضم أسماء ملاحم يقال إنّها تبيع لحماً مستورداً، غير صحي وغير مطابق للمعايير الدينية. الناس في حيرة من أمر غذائها، بعدما ثبت أن سبب توزيع اللوائح هو المضاربات التجارية، ولا علاقة لأي جهة بها. لكن ذلك لا ينفي وجود مشكلة حقيقية بالنسبة إلى اللحوم المستوردة


محمد محسن
في ملحمته، يقسم كمال (اسم مستعار) أمام زبونة بأولاده الصغار أن «اللحمة شرعية وطازجة وهليون». تردّ عليه بأن القسم لا يكفي، فلون اللحمة يميل إلى البنّي، وهذا ليس شكل لحم طازج. تخرج المرأة من الملحمة ويستمر العمل بصورة طبيعية. يقف الزبائن ليشتروا كيلو اللحم بـ10 آلاف ليرة فقط. السعر مغرٍ وخصوصاً في الأحياء الشعبية. الفقراء يأكلون لحماً مستورداً مشكوكاً في صحته، في ظل دور خجول للرقابة الصحية.
«أجمل لحمة تراها في البراد وأطراها، هي المثلّجة والمستوردة»، يقول أحد الجزارين. لكنّه يتابع «لا شيء جميلاً فيها إلا شكلها. مزنخة، لو عرف الناس أنّها غير شرعية لما اشتروها». أمّا أماكن انتشارها، فيشير الجزّار المخضرم إلى أنه «في ملاحم كثيرة تبيع منها. ليس كل الملاحم، بعد في ناس بتخاف الله»، يقول.
بدلاً من إعلان مصدر لحومه، علّق جزّار آخر في بيروت لائحةً بأسماء ملاحم ادّعى أنها تبيع لحماً مغشوشاً. عدّد مواصفات اللحم المغشوش: برازيلي أو هندي، مثلّج، غير شرعي. أمّا صدقيّة لائحته، فقد بناها على شائعة تفيد بأن حزباً فاعلاً هو الذي وزّعها. لائحة أخرى وزّعتها دلال على جاراتها، بحجّة أنّ مكتباً لأحد المراجع الدينيين أقرّ بالأسماء، ففرغت ملحمة مجاورة من زبائنها، بعد ورود اسمها ضمن اللائحة. لكنّ الأحزاب والمكاتب الشرعية نفت لـ«الأخبار» صلتها من قريب أو بعيد باللوائح التي توزّع، وتحمل أسماء ملاحم يقال إنّها تبيع لحماً مغشوشاً. المسألة إذاً ترتبط بالمضاربات بين الجزّارين. لا صدقية للوائح. لكن هذا لا يلغي وجود جزّارين غشّاشين فعلاً. وهذا ما يؤكده مصدر مطّلع في الضاحية مثلاً، فيشير إلى أنّه «بات لدينا معلومات عن كل ملحمة، مصادر لحومها، ومصادر المصادر». أمّا المصدر الديني فيؤكّد أن «لا شرعية للحوم تأتي من مصادر غير معروفة وموثوقة، حتى لو ادّعى الجزّار أنها حلال».
المسألة غاية في الدقّة. فبين شائعة تقطع الرزق وصحّة مواطن على مسنّ الجزّار، الخيط رفيع جداً. في مناطق كثيرة من لبنان يهتم زبائن اللحوم بأمر مضاف إلى المعايير الصحيّة: شرعية اللحوم وفقاً للمعايير الدينيّة. في بيروت والضاحية الجنوبية مثلاً، يعيش المواطنون أرقاً، نتيجة كثرة الحديث عن وجود لحم مثلّج، برازيلي على وجه الخصوص، مجهول المصدر والجزّار. هم لا يعرفون مصدر اللحوم فضلاً عن صلاحيتها، فيلجأون إلى جزّار «موثوق ومؤمن 100%»، كما تقول أم حسن هاشم. معايير الجزار الموثوق أيضاً، بحسب كثير من الزبائن، هي «أن يقدّم يومياً لزبائنه ذبيحة طازجة يراها الجيران صباح كل يوم». بعيداً عن المضاربات واللوائح الكاذبة، ما يحصل وفقاً لعيّنة كبيرة من الجزّارين في مناطق متفرقة من بيروت والضاحية الجنوبية هو الآتي: جزء لا بأس به ملتزم بالشروط الصحية والشرعية. يتاجر جزء آخر باللحم المستورد باعتباره لحماً بلدياً طازجاً. جزء آخر يخلط بين اللحم الطازج واللحم المستورد «غير الشرعي وغير الموثوق بصحته»، يقول أحدهم. هذا ما دعا الكثير من الزبائن إلى الامتناع عن شراء أنواع مختلفة من مشتقّات اللحوم إلا في ما ندر. لا تشتري أم كامل صالح لحماً مفروماً «عالخشنة»، والسبب؟ «رأيت الجزّار يخلط بين اللحم الطازج ولحم لونه غامق جداً. لم أعد أثق بهم». أمّا عن أسلوب الغش؟ فيشرحه جزّار مخضرم: «يضعون فرّامات اللحم إمّا أعلى من مستوى عيون الزبائن، وإمّا خلف حاجز غير شفاف. يقطع أمام زبونه لحماً طازجاً، وأثناء وضعه في ماكينة الفرم، يدخل


البعض لا يعرف مصدر اللحوم فيلجأون إلى جزّار «موثوق ومؤمن 100%»
اللحم المغشوش». تكتيك آخر يستعمله بعض الجزارين فيه من الغش ما يكفي لطمأنة الزبائن. مازن (اسم مستعار) كان يعمل أجيراً عند أحد هؤلاء الجزارين. يشرح طريقة عمله، يعلّق ذبيحة طازجة وصغيرة لـ«يصدق» يمينه أمام زبائنه بأنّه لا يبيع لحماً مثلّجاً أو مستورداً، فيما «يخزّن في براده كميات كبيرة من اللحم المستورد غير الشرعي»، يقول مازن. في السياق نفسه، الجزارون الغشّاشون ليسوا عاجزين عن تصريف ما يبقى من لحم مستورد من دون شهادات صحيّة. البحث والتقصّي عنهم يشيران إلى ما يأتي: البهارات تلعب لعبتها. فجميع اللحوم السيّئة الباقية تعجن مع كميّات كبيرة من البهارات، على شكل دوائر همبرغر أو سجق ومقانق.
أمّا في الاستهلاكيّات الكبرى، فالوضع أصعب. يسعى مديروها دائماً إلى طمأنة زبائنهم. يضعون لافتات تشير إلى مصادر لحومهم وأسعارها. صاحب إحدى التعاونيات يشرف يومياً على مصدر اللحوم عنده، ويشير إلى وجود «تعاونيات تأخذ من تجار اللحوم كميّات كبيرة بسعر رخيص». الأنكى من ذلك هو ما يفعله بعض الجزّارين من بيع كيلو اللحم المستورد بسعر الكيلو الطازج، «وهذا ما يصعّب كشفنا»، يقول أحدهم. لكنّ نجوى استطاعت كشف أحد زملائه. الطبخ يفضح نوعية اللحم «تتفتت اللحمة أثناء طبخها، أمّا البفتاك فكان كيلو وصار وقية بعد الطبخ، فضلاً عن رائحة بشعة»، تقول.
ميدانياً، يؤكد الجزّارون أن رقابة مصلحة حماية المستهلك غائبة. أمّا البلديات فنجح بعضها في منع تفشّي اللحوم الفاسدة في مناطقها. في الغبيري مثلاً، درّبت البلدية، بالتعاون مع جمعية حماية المستهلك، جزّاري المنطقة على طرق حفظ اللحم ومعايير صحّته. ويشير رئيس البلدية محمد سعيد الخنسا إلى «إعداد خطة شاملة على مستوى بلديات الضاحية لتوفير سلامة اللحوم». ومن أهم عناصر الخطّة «وجوب أن يضع كل جزّار لائحة بمصادر لحومه، ويثبت أنّها شرعيّة وصحيّة»، كما يقول.