لا سياحة بيئية ولا أثرية في الجنوب، إلا في ما ندر. تالياً، يمكن وصف رحلة «الهوا جنوبي» التي نظّمها تيار المقاومة في الجامعة اليسوعية، بأنها سياسية اجتماعية، محفوفة بالترفيه. المشاركون على تنوّع انتماءاتهم ناقشوا فكرة المقاومة، لكنهم أجمعوا على حبّ الجنوب


محمد محسن
يحتاج كثيرون إلى معرفة الجنوب اللبناني. الدعاية السياسيّة في لبنان أقوى من الأمور الجميلة. يدرك البعض أن في الجنوب طبيعة جميلة ومجتمعاً طيّباً. لكن بعضاً آخر ما زال يستطعم ثمار التسييس الطاغية: الجنوب ساحة قتال وبيوت مهدّمة تستولي فيه المقاومة على المكان والناس، لا حياة فيه سوى للسلاح.
أول من أمس، مشى قطار بعض طلاب الجامعة اليسوعية جنوباً، في رحلة عنوانها «الهوا جنوبي»، نظمها تيار المقاومة في الجامعة. الثامنة صباحاً انطلق أكثر من 550 طالباً «يسوعياً» من بيروت. في الباصات الضخمة، عملية التنظيم دقيقة جداً، فالطلاب أو بعضهم، كانوا هم من ينسّقون الرحلة عبر أجهزة لاسلكية. الأهم من ذلك كله هو تنوّعهم: طلاب مع المقاومة، وآخرون ضدّها: قوات، كتائب، ومستقبل، الجميع كان هنا.
طول المسافة زاد من جمال الرحلة. شمال النهر أو جنوبه لا فرق. الجنوب كله ينبض بالحياة. الطلاب ينتظرون مفاجأةً وعدهم بها المنظّمون. نحن في إقليم التفاح وقراه الجميلة. ليست هذه المفاجأة. المفاجأة بعد قليل. نحن على مقربة من المقاومين. قبل الوصول إلى معسكر للمقاومة، مسافة طويلة سيقطعها الطلاب سيراً على الأقدام. فيها طلعات متعبة، لم تمنع زوّار المرة الأولى من إبداء إعجابهم بكثرة الورود على الطريق. يستقبلك المقاومون بوجوه مموّهة، لكن ابتسامتهم واضحة. الواضح أيضاً، أن عيونهم لم تنم جيداً. تجهيزات المعسكر تتشابك مع الورود وأغصان الشجر. أمّا الطلاب فبعضهم مشدوه بأسلحة يراها للمرة الأولى.
يرحّب أحد المقاومين بالوفد المنهك من الطريق، مستدركاً «بس ملاحظة زغيرة: الطريق التي عبرتوها وتعبّتكم، لا تساوي 1 على مليون من الطرقات الشاقة التي يمشيها المقاومون (18 ساعة يومياً)، وعلى ظهورهم حمولة لا تقل عن 30 كيلوغراماً. المجهود الميداني صعب. نعتذر منكم على المشقّة، لكن جميل أن نشعر مع المقاومين»، يقول. انقسم الطلاب مجموعات. لا توحي ابتسامات المتحلّقين حول راجمة صواريخ «غراد»، بأنهم أمام سلاح ثقيل. كأن الراجمة «شخص مشهور» سمعوا كثيراً عن أفعاله وحانت فرصة رؤيته، أخيراً. يدير أحد أفراد القوة الصاروخية في المقاومة الراجمة يمنةً ويسرة، شارحاً طريقة استعمالها أوتوماتيكياً ويدوياً. يبدو شاباً لم يتجاوز أوائل العشرينات. تتقدّم طالبة وتسأله بخفر، عن إمكان كشف العدو للراجمة. يبتسم المقاوم «يملكون رداراً يكشف مكاننا لحظة إطلاق الصاروخ. المهارة في كيفيّة الاختفاء السريع بعد الإطلاق». تنتهي جولة الكاتيوشا، فيتاح لنا الحديث مع المقاومين على انفراد. هم مستعدّون لرد أي عدوان جديد، «وسنحقق نصراً أكبر من نصر تمّوز» يقول أحدهم. ما لم يعرفه الطلاب هو أن مطلقي الصواريخ مثلهم. طلاب جامعات، يداومون في كليّاتهم، جنباً إلى جنب مع عملهم كمقاومين. أمام مدفع من عيار 106 مضاد للدروع، ينفتح الباب أمام قصص حرب تموز. يسأل أحد الطلاب: «ما صحة الحديث عن أنكم كنتم ترون الراجمات مليئة بالصواريخ أحياناً، من دون أن تكونوا قد فعلتم ذلك بأنفسكم؟». يؤكد المقاوم القصة التي رواها السائل ويقول: «نحن أصحاب حق ونؤمن بذلك، لكننا لا نلزم أحداً بهذا الإيمان. نتعاطى مع العدو وفقاً لمعايير علمية ومادية، أولها العلم»، يقول. يقنع الطالب الاشتراكي بالإجابة ويودّع المقاومين «الله يقويكم. تشرّفنا». تعرّف الطلاب إلى مدفعٍ مضاد للطائرات من عيار 23 مليمتراً. تفاجأوا بمعلومة قدّمها المقاوم «منشأه قديم، لكنّه لا يزال فعالاً أمام طائرات العدو المتطوّرة. في الحد الأدنى دعونا نقول المروحية منها». انتهت الجولة على المعسكر، لكن الرحلة لم تنتهِ، بقي الغداء في مجدل سلم، وجولة حدودية في مارون الراس. هناك دارت الحوارات المشوّقة بين الطلاب. طلاب 14 آذار كانوا أقليّة، لكنّ ذلك لم يمنعهم من الاندماج في جوّ زملائهم. تقول لبنى لصديقتها: «أنا لا أزال مع تسليم المقاومة سلاحها للجيش. أحترم المقاومين كثيراً، لكن أريد دولةً واحدة». تشاطرها الرأي ياسمين، قوّاتيّة، بيد أنّها التفتت إلى أمور أكثر دقّة «منظمون بامتياز. جريئون وأشدّاء. حين رأيت جمال الجنوب، عرفت لماذا هم مستعدون للموت من أجله». لكن هذا الرأي الإيجابي لم ينسحب على فكرة المقاومة «لا أقبل أن يقرّر أحد الحرب بمفرده. في الحد الأدنى فلنتفق جميعاً على مرجعية المقاومة»، تقول ياسمين.
في المقلب الآخر، طلاب مؤيّدون للمقاومة أصلاً، لكنّهم سجلوا بعض الملاحظات. «لم يدلّونا على أسماء القرى والبلدات، ولم ندخل لنعرف مجتمعها عن قرب، شعرت أن الرحلة للترويج السياسي فقط»، تقول سنا. لمارون الراس حصة وافرة. قلّة هم من استطاعوا المشي قرب حدودها الوعرة مع فلسطين. هناك أزال عدد من شباب الأحزاب عبارة بالعبرية تعني جيش الدفاع الإسرائيلي (تساحال) بألوان الأحزاب اللبنانية والعلم اللبناني. أمّا الفتيات فممنوعات من النزول إلى الحدود نظراً إلى وعورة الطريق. تقف داليا على قمة الجبل. الهواء قوي جداً في مارون الراس. تحدّق أمامها «الحدود هنا تخيفني». تبدلت أفكارها كثيراً. ما رأته من «روعة في وادي الحجير والنهر غيّرني. كنت أظنّ أني آتية إلى منطقة منكوبة». أما المقاومون فلهم الحصّة الأكبر من رحلتها «قبل اليوم كنت محايدة. أما الآن فأنا معهم».



طالبة أفغانية واحدة

لا أفكار مسبقة عن الجنوب اللبناني في ذهن الطالبة الأفغانية، موسكا سانجين (الصورة). تعرف أنّه كان محتلاً من الإسرائيليين وأنّه تحرر عام 2000. ابنة مدينة جلال أباد، تدرس العلوم الاجتماعية في الجامعة اليسوعية. أما سبب مشاركتها في الرحلة فـ«منذ فترة أبحث عن فرصة لرؤية الحدود اللبنانية الفلسطينية عن قرب، وقد سنحت لي الآن». وتكشف موسكا أن تفاصيل سياسية كثيرة في لبنان تغيب عنها، وخصوصاً بالنسبة إلى مسألة المقاومة «التي أؤيدها عموماً».