مياهه مصنّفة الأنظف على طول الشاطئ اللّبنانيّ، لكن شاطئ المعقيلة في عمشيت، الذي يقصده أهالي المنطقة منذ نحو خمسين عاماً، يتعذّر اليوم الوصول إليه لكونه قد أصبح مسيّجاً بالأملاك الخاصّة، ولا طريق نافذة إلى الشاطئ


عمشيت ــ جوانّا عازار
من شهر حزيران حتى أيلول من كلّ عام، تزور المهاجرة اللّبنانيّة ليدي بيلان لبنان لقضاء عطلة الصيف فيه. ترتاد البحر ارتياداً شبه يوميّ وتحديداً شاطئ المعقيلة في عمشيت. لكن سنة تلو الأخرى تصطدم بيلان بقلّة الاهتمام والعناية بالشاطئ المذكور. كما هذه السيدة، يأسف أهالي عمشيت والبلدات المجاورة، إضافةً إلى أهالي بلدات قرنة الروم، الذين يرتادون الشاطئ منذ نحو خمسين عاماً، للحالة التي وصل إليها المكان، الذي جمعهم على مرّ سنوات في جوّ عائليّ. فالشاطئ المشهور بنظافة مياهه وصخوره واتّساع مساحته، إضافةً إلى كثرة الينابيع فيه، يتحوّل سنة بعد أخرى من سيّئ إلى أسوأ.
أمّا السبب الأبرز في ذلك، فهو غياب طريق خاصّة مؤهّلة للوصول إليه، إذ إنّ المساحات حول الشاطئ أصبحت أملاكاً خاصّة، وقد عمد أصحابها إلى إقفال كلّ المنافذ والمداخل المؤدّية إلى الشاطئ من دون وجه حق. حتّى أضحى الشاطئ، وهو الملك العامّ، بحاجة إلى إذن خاصّ للوصول إليه. وبغياب من يستطيع أن يأخذ للناس حقهم، يعمد المواطنون إلى اختراع أساليب يصلون من خلالها إلى الشاطئ الذي يحبّون. وكانت خطواتهم المتعدّدة تُصدّ باستمرار وتجابَه بخطوات معاكسة من أصحاب الأملاك، كمثل بناء حائط مرتفع أو حواجز من الصعب اجتيازها، أو «زرع» بوابّات عالية محكمة الإقفال. وهذه السنة الوضع لا يقلّ سوءاً، إذ يعمد المواطنون إلى ركن سيّاراتهم على الطريق العامّة، واجتياز ممرّ ضيّق قرب إحدى البوابات المقفلة على بعد كيلومترات من «شاطئ الأحلام». ربيع وحنين مهنّا، زوجان يقطنان في بلدة عمشيت، ويرتادان شاطئ المعقيلة منذ مدّة وهما يتحدّيان الشروط التعجيزيّة للوصول إليه، فهنا تحلو لهما السباحة والاستجمام، وهما يطالبان بأن تؤهّل طريق خاصّة للوصول إلى الشاطئ لأنّ هذا الأمر حقّ للجميع.
والشاطئ مهمل بكلّ ما في الكلمة من معنى، وتغيب عنه شروط النظافة والعناية، إذ لا يوجد في المكان سوى برميلين لرمي النفايات، وهما بالطبع غير كافيين لاستيعاب نفايات مرتادي الشاطئ، ولا حمّامات عامة، برغم أنّ الشاطئ عموميّ، ويصل عدد مرتاديه يوم الأحد إلى أكثر من 500 شخص. هذا الأمر حثّ بعض الشباب من اتّحاد الشباب الديموقراطيّ الصيف الماضي على تنظيف الشاطئ بمبادرة منهم.
والطريق إلى الشاطئ يمكن أن تنجَز من خلال استملاك البلديّة مساحة صغيرة من الأملاك الخاصّة، وإن تعذّر ذلك بسبب ارتفاع ثمنها، فمن الممكن أن تعمد البلديّة إلى إعادة فتح الطريق القديمة للشاطئ (قرب أحد المنتجعات السياحيّة في المكان) التي أقفلت نهائيّاً، وسُيّجت بشريط حديديّ منذ أربع سنوات، ليتمكّن عندها المواطنون من ركن سيّاراتهم في مكان قريب، والوصول إلى الشاطئ بطريقة أسهل. أوساط بلديّة عمشيت أشارت لـ«لأخبار» إلى أنّ البلديّة تعمل على حلّ الموضوع دون التوصّل حتّى الآن إلى صيغة نهائيّة، وخصوصاً أنّ الشاطئ محاط بالأملاك الخاصّة. علماً أنّ البلديّة المذكورة هدمت سنة 2002 عدداً من الشاليهات على شاطئ المعقيلة لكونها مخالِفة، ومبنيّة على الأملاك العامّة، مشيرةً إلى أصحابها بأنّها ستعمد بعد إزالتها إلى تحويل الشاطئ إلى شاطئ شعبيّ عامّ ومجانيّ، يستفيد منه أبناء المنطقة، الأمر الذي لم يتحقّق بعد ثماني سنوات على إزالة تلك الشاليهات.
مياه شاطئ المعقيلة صنّقت من الأنظف على طول الشاطئ اللّبنانيّ، الطريق للوصول إليه ستصنّف على الأرجح من الأصعب على طول الشاطئ اللّبنانيّ. أهل عمشيت وجبيل والبلدات المجاورة ملّوا «الاحتيال» على الطرقات وعلى أصحاب الأملاك الخاصّة ليتمتّعوا بحقّهم الطبيعي في السباحة بـ«بلاش» على شاطئ نجا حتّى الساعة من يد الاحتكار. هم ينتظرون طريقاً توصلهم إلى الشاطئ، ويطالبون بتحويل المعقيلة إلى شاطئ مجانيّ وشعبيّ رسمياً مؤهّل لاستقبالهم دوماً دون شروط تعجيزيّة. وفي النهاية، من الصعب أن يغيب شاطئ المعقيلة عن الذاكرة الجماعيّة لمعظم أبناء المنطقة، فهو يحتفظ بين صخوره ورماله بذكريات كثيرين، ممّن سبحوا يوماً على شاطئه.