حسام السراي
مع اندلاع حرب الخليج الثانية، كان الخروج من العراق لحظة ولادة جديدة بالنسبة إلى دنى غالي. تراها اليوم تثبِّت في سيرتها الذاتيّة أنّها «مقيمة في الدنمارك منذ عام 1992». فـ«زمن الكتابة عندي بدأ مع خروجي من العراق»، هكذا تشرح لنا الكاتبة والشاعرة العراقية سرّ تجاهلها لتأريخ مولدها في مدينة البصرة.
ربما كانت غالي واحدة من الروائيات العراقيات اللواتي كنّ على تماس مباشر مع حروب العراق، وما ولّدته من قتل وهجرة وخراب ودمار. تجدها اليوم تركّز على ذاكرتها أيّام حروب العراق، أكثر مما نألف حضوراً لطفولتها أو صباها في أعمالها الأدبيّة. أصوات الرصاص ورعب الأحداث في انتفاضة 1991 في البصرة، لا تزال ماثلة أمام عينيها. هكذا تطلّ علينا من منفاها بمجموعة قصصيّة وروايتين لخّصت الحروب التي خاضها النظام السابق: «حرب نامة» التي هي مجموعة قصصيّة عن الحرب العراقيّة الإيرانيّة، ورواية «النقطة الأبعد» التي تتناول حرب الخليج الثانية وتبعاتها على شخوص معيّنين قرّروا مغادرة العراق، ورواية «عندما تستيقظ الرائحة» التي تتابع فيها غالي مصائر الذين غادروا بلدهم وتداعيات فكرة المنفى والوطن عليهم.
ولدت دنى في البصرة في كنف عائلة فنية: والدها موسيقي وشاعر كان بيته ملتقى للأدباء والشعراء والفنانين، ووالدتها فنانة ومعلّمة مدرسة. خلال طفولتها ومراهقتها، اختبرت أوساطاً منوّعة وغنية، فجدّها لوالدها كان رجلاً ملتزماً بالطقوس الدينية، يقيم شعائر عاشوراء. عاشت حياةً هادئة كسائر أترابها، إلى أن أطلّ عقد الثمانينيات حين كانت لا تزال في مرحلة الدراسة الإعداديّة. هنا، شهدت بلاد الرافدين أحداثاً مفصلية من الحرب العراقية الإيرانية، ثم التهجير واختفاء والد دنى قبل أن يظهر من جديد ويأخذ عائلته إلى المنافي.
هكذا انتسبت أديبتنا إلى «نادي» الكتّاب العراقيّين المنفيّين. لكنّ بلاد الرافدين ظلّت تخيّم على أعمالها الأدبية التي جاءت انعكاساً لما يدور في الداخل العراقيّ. في روايتها «عندما تستيقظ الرائحة»، تقول: «لا أستطيع تلمّس شيء. كابوس يوقظني؛ وكأنّي في بغداد آب. صباح إعلان انتهاء حرب وبداية يوم سلم».
قد يكون الظرف الصعب الذي عاشته في بغداد والبصرة، واحداً من الأسباب التي دفعتها إلى تقديم منجزها من خلال المنفى... منجز ربى على أكثر من سبعة كتب في عشرين عاماً قضتها خارج العراق. تقول «المرأة هي أوّل المتأثرين بالأوضاع غير المستقرّة، إذ إنّ تقدم المجتمعات يقاس بمدى تقدّم المرأة وحريّتها ونيلها حقوقها ومساواتها. لذا يكون طبيعيّاً أن ينحسر عدد الكاتبات في العراق».
بعدما قدّمت طلباً إلى صندوق دعم الثقافة في الدنمارك، تُثبت فيه حاجتها إلى زيارة بلدها الأم. تقول: «جزء مهم من زيارتي إلى بغداد اليوم كان تلبيةً لحاجة نفسيّة خاصّة تتعلّق بالكتابة. أردتُ أن أكون قريبة من الأمكنة والشخوص التي أكتب عنها». بعد قرابة عقدين من الغياب إذاً، ها هي دنى غالي تطأ أرض العراق. أتت لتكمل عملاً روائيّاً جديداً تركته حتّى تتحيّن فرصة زيارة بلدها الأم، لتكون أقرب إلى المكان الذي بدأت تكتب عنه قبل عامين، ومعه تواصل التشكيك في فكرتي المنفى والوطن اللتين تجسّدتا في ديوانها الأول «حديقة بعطر رجل» بطبعتيه 2007 و2008.
خلال تجوالها في شوارع بغداد، لم تفارقها حالة القلق والحزن على منظر البصرة والعاصمة العراقية. لكنّ شيئين يفرحانها: «الأوّل يعني الكثير بالنسبة إليّ. لدى دخولي دائرة الجوازات في البصرة، لم أشعر أمام ضابط الاستخبارات بالرهبة ذاتها التي كانت تجتاحني قبلاً. ضابط الأمن لم يعد نفسه. والثاني، انتابني الحنين إلى زمن السلم الذي عشته في بغداد السبعينيات، إذ إنّ حدائق البيوت القديمة ما زالت كما هي». ثمّ تستدرك قائلة: «لقد تغيّرت أمور كثيرة في هذا المكان الذي لم يبدأ فيه الناس مشوار النهضة بحياتهم، لأننا لم نسترجع حالتنا الطبيعية بعد كعراقيّين».
جلست دنى في مقهى بغداديّ خضع لمتغيّرات كثيرة هو أيضاً، لكنّها وجدت أنّ الأهم في الذي رأته هو تلك المحاولات لفئة من المثقفين العراقيّين الذين «يشتغلون بهدوء وعلى الهامش، بمنأى عن المؤسّسة الرسميّة. ليس لديهم مصالح، وهم يمتلكون حريّتهم في التعبير». تتحدّث عن الثقافة وارتباط ذلك بطبيعة وجود المثقف في إطار عام يضمن له وجوده. تشير إلى أنّ «الكثير من الحالات التي نعانيها ككتاب دنماركيّين من أصل عربيّ، تتجسّد في أنّ المطروح لا يلبّي الحاجة»، موضحة أكثر «هناك دوماً كتّاب على الهامش وآخرون يرقصون وسط الساحة». إلا أنّها تجد أنّ المثقّف العراقيّ في بغداد يعيش وضعاً خاصّاً، بحكم هيمنة السياسة وأحزابها وفكرة الطوائف، لذا «هو يختار مكاناً خاصّاً به؛ لأنّ كلّ هؤلاء لا يمثّلونه، فينسحب بعيداً عنهم محافظاً بهذه الطريقة على استقلاليته».
سنوات الاغتراب التي عاشتها هذه الكاتبة، لم تمرّ من دون الوصول إلى اقتناع بأنّ تعريفات المهاجر لم تعد ثابتة. «الأهم هو امتلاك الجرأة على مشاكستها وتحريكها». قد يكون ذلك خلاصة تجربة تمتدّ 18 عاماً، تقول عنها: «تلبّسنا دور المنفي بدايةً. وحين أصبحت العودة ممكنة اليوم، وجدنا أنّه ليس بالضرورة أن تعود فعلاً كي تتغلّب على فكرة المنفى، كأنّك تعيش بقدم في المنفى وأخرى في الوطن».
واحدة من الثنائيات التي تفكّ دنى رموزها، هي كتابتها لجنسين أدبيّين، «يقصدك الشعر، لكنّك تقصد الروايّة». ثم تأخذها نافذة المقهى إلى أحوال العراق. تنظر إلى حركة المارة والسيارات، فتردف: «لم نبدأ بعد. سنحتاج إلى دورتين انتخابيتين في العراق وربما أكثر». وبين العودة المستحيلة وإمكان تحقّقها اليوم، ما زال سؤال واحد يراود دنى غالي «هل أصبحت دنماركيّة؟ أم روحها باقية في الوطن الذي لا بد من أن تعود إليه يوماً؟».



5 تواريخ

منتصف الستينيات
الولادة في البصرة

1992
الهجرة إلى الدنمارك

1998
كتابها الأوّل «حرب نامة»، مذكرات الحرب العراقيّة الإيرانيّة

2000
رواية «النقطة الأبعد» عن حرب الخليج الثانيّة. وبعدها بأربع سنوات صدر أوّل كتاب لها بالدنماركيّة، بعنوان «اكتشافات متأخرة ... انتصارات صغيرة»

2010
زيارتها الأولى إلى العراق منذ خروجها إلى المنفى