عمر نشّابة

ما زال أنين آلام زينب يملأ مستشفى صور الحكومي، ولو رحلت بعد محاولات إنعاش جسدها النحيل الممزّق بفعل صاروخ أصاب منزلها. ولو رحلت منذ صيف 2006. ولو رحلت ولم يذرف والدها دمعة... إذ لم تسمح له شظايا اقتلعت عينيه بممارسة ذلك «الحقّ» البديهي. ما زال أنين آلام زينب يملأ مستشفى صور الحكومي، ولو نُقل جثمانها إلى برّاد «البوظة» بسبب زحمة الأجساد في برّاد المستشفى، ولو التقت هناك صديقاتها فاطمة وليلى ومريم، ولو كنّ مقطّعات الأعضاء. ما زالت مئات الأكفان البيضاء الملطّخة بالدماء تلفّ عشرات القرى والبلدات اللبنانية من أقصى الجنوب إلى أقصى الشمال، ومن عمق البقاع إلى مشارف البحر، ولو تحوّلت الدماء بعد جفافها على الأكفان إلى سواد فرُفعت أعلاماً كربلائية في قرى وبلدات لا صلة لها بالإمامة. أكفان 1191 إنساناً سُلبت منهم الحياة ذبحاً بحديد القذائف كما اغتيل الرئيس رفيق الحريري و22 آخرين بفعل تفجير 1800 كلغرام من المتفجّرات في يوم مماثل بوحشيته لأكثر من 33 يوم منها. ما زالت أمّ علي تبكي زوجها العجوز، الذي اصطادته طائرة حربية، ولو كان قد اقترب موعد رحيله بعدما قضى أقلّ بقليل من قرن يفلح الأرض ويقطف الزيتون. ما زال أحمد يلطم جبهته بيديه ويصرخ للسماء، بعدما دُمّرت الدار على رؤوس والديه وزوجته وأطفاله، ولو انتقل مع أقاربه إلى شقة في الضاحية، ولو لم يمرّ يوم منذ ذاك اليوم ولا يندم فيه على بقائه على قيد الحياة. ما زال حسين يبحث عن رجله التي ضاعت بينما كان يبحث عن كرة قدم خرجت من إطار الملعب بعد إصابة الهدف، فانفجرت قنبلة عنقودية، ولو مُنح حسين رجلاً بلاستيكية بديلة. ما زال ذوو آلاف المفقودين ينتظرون عودتهم، رغم مرور عشرات السنين على اختفائهم. ما زال أصدقاؤهم وأحباؤهم يذكرون أنهم خرجوا من دون وداع، ولو قيل إنهم خُطفوا ونُقلوا وقُتلوا، ولو قيل إنّ فلاناً شاهدهم، وآخر عاين جثثهم.
ما زال الجرح يكبر، ولو تضامنت الدولة وغير الدولة والناس جميعاً ولم يعودوا فما جدوى التضامن، وآلاف بيانات الاستنكار وعشرات الكتابات في الصحف؟ ما زالت وداد تسعى وتبحث، فتشعل شمعة هنا، وترفع صورة ولدي أوديت هناك، ولو رحلت أوديت بعدما صدمتها سيارة في مكان اعتصامها المفتوح على أبواب مقرّ الأمم المتّحدة. ما زالت قصور العدل في لبنان على حافة الانهيار، رغم تقرير الوزير وكلام الرئيس وحفلة تكريم القضاة. وما زال القضاء المستقلّ في لبنان مهملاً، رغم زحمة شعارات حكومة فضّلت، في سبيل التسوية، تجاوز الدستور (المادة 52) عبر التزامها محكمةً دون التركيز على إصلاح القضاء. ما زالت كلّ تلك المعاناة مستمرّة في لبنان، بينما يفرض مجلس الأمن الدولي على لبنان، متجاوزاً مجلسه التشريعي، محكمة دولية تنتحل صفة «المحكمة الخاصّة بلبنان».
محكمة خاصّة لأيّ لبنان؟
وكأنّ زينب وأوديت وفاطمة وليلى ومريم ووداد وحسين وأحمد وآلاف وربّما مئات آلاف الضحايا ليسوا لبنانيين، وبالتالي فلا تشمل المحكمة الخاصة بلبنان قضاياهم. أو كأنهم لبنانيّون من الدرجة الثانية؟ فما يحقّ لرفيق وباسل و21 آخرين، (وهو حقّ لا يمكن ولا يجوز التنازل عنه أو التراجع عن المطالبة به) لا يحقّ لـ1191 آخرين، ولا لآلاف المفقودين والمخطوفين؟
أتاحت إحدى الجامعات العريقة مؤتمراً لأساتذة القانون الدولي ولرئيس «المحكمة الخاصة بلبنان» القاضي أنطونيو كاسيزي، ونائبه القاضي رالف رياشي، وقاضي الإجراءات التمهيدية دنيال فرانسين، شرح ميزات المحكمة الدولية وخصائصها وإجراءاتها. مؤتمر يتناول قضايا قانونية دولية، لكن لا علاقة له بعدالة المحكمة الخاصة بلبنان. فالعدالة الصادقة للبنان لا تهمل قضايا آلاف اللبنانيين. أليس أكثر واقعية تسمية المحكمة: هي «المحكمة الدولية الخاصة بجريمة اغتيال الرئيس رفيق الحريري والجرائم الأخرى إذا ثبت تلازمها مع جريمة اغتيال الحريري»، هكذا ينصّ قرار مجلس الأمن، فكفى انتحال صفة سيحاسبكم عليه ضميركم، وضمير كلّ إنسان صادق في إنسانيّته.