ناقش أمس رئيس المحكمة الخاصة بلبنان القاضي أنطونيو كاسيزي، شؤون المحكمة مع بعض جمعيات المجتمع المدني في لبنان، ولكن بعيداً عن الإعلام. وعلى هامش اللقاء، التقت «الأخبار» القاضي رالف رياشي الذي جدد نفي تسييس المحكمة


محمد نزال
«ممنوع على هذه المحكمة أن تفشل... ممنوع ممنوع» كلمات قالها لـ«الأخبار» نائب رئيس المحكمة الخاصة بلبنان القاضي اللبناني رالف رياشي بحزم. يربط رياشي حديثه عن الفشل الممنوع بصدقيّة مجلس الأمن والمجتمع الدولي، الذي سيكون على المحك، ما يؤثر بالتالي على صدقية بقية المحاكم الدولية. ويبدي رياشي أسفه لواقع القضاء اللبناني «غير السليم»، الذي لو لم يكن كذلك «لما احتجنا أصلاً إلى محكمة دولية، ومثال على ذلك قضية بشير الجميّل الموجودة في أدراج المجلس العدلي».
رغم أن قضية الجميّل ليست من اختصاص المحكمة الخاصة بلبنان، قال رياشي «أنا لست مع القوات اللبنانية، لكني أسأل لماذا لم يصدر أي حكم عن المجلس العدلي حتى الآن في قضية بشير الجميّل، رغم مرور 7 أعوام على صدور القرار الظني. قد يقولون إن ذلك مرتبط بغياب المتهمين، لكني أسأل باستغراب، لماذا لا يصدر حكم غيابي في القضية؟»، وختم رياشي حديثه عن هذا الموضوع قائلاً «في الفترة الماضية، كانت تصدر الأحكام القضائية ضد جهة معينة دون جهة أخرى».
حوار القاضي اللبناني مع «الأخبار» جاء على هامش اللقاء مع رئيس المحكمة الخاصة بلبنان القاضي أنطونيو كاسيزي، أمس، بدعوة من منظمة «عدل بلا حدود» الاتحاد الأوروبي، في فندق «الحبتور غراند أوتيل» ـــــ سن الفيل.
يدفع اللبنانيون من جيوبهم 49% من تكاليف المحكمة الخاصة بلبنان، التي أنشئت بالاتفاق مع حكومة الرئيس فؤاد السنيورة «لمعاقبة قتلة الرئيس رفيق الحريري». ولكن بعد سنوات على إنشائها، ألا يحق للبنانيين معرفة أين تذهب الأموال المخصصة للمحكمة، من خلال بيان تُذكر فيه آلية المصاريف وحجم رواتب الموظفين فيها؟ يجيب القاضي رياشي بـ«نعم... ومن يرد أن يعرف هذه التفاصيل فعليه أن يتقدم بطلب رسمي إلى المحكمة في لاهاي، وهي تقرر كيفية تزويده بالمعلومات»، داعياً «الأخبار» للتقدم إلى المحكمة بمثل هذا الطلب. لكن بعض المحامين يعلقون على كلام رياشي بأنه «من الأفضل لو تبادر المحكمة إلى إصدار بيان مفصل عن الأموال التي تصرف، وأين وكيف تصرف، وذلك لمزيد من الشفافية والصدقية».
للبعض شكوك حول تسييس المحكمة، وربما تكون شكوكهم في محلها، نظراً إلى أن المجتمع الدولي مشارك في تمويلها وفي إنشائها، ونظراً إلى التجارب «السوداء» مع المجتمع الدولي في العديد من القضايا العدلية في المنطقة، ومنها قضية فلسطين المحتلة. يعلّق القاضي رياشي على هذا الموضوع بالقول: «البعض يقول دائماً إن المحكمة مسيسة، أو يمكن أن تسييس، ولكن فليقولوا لنا ماذا يمكننا أن نفعل حتى نقنعهم بأنها غير مسيسة. في الواقع هؤلاء لا يريدون المحكمة من أصلها، ولم يريدوها في يوم من الأيام، ويحاولون التغطية على ذلك من خلال الاتهام بالتسييس».


كاسيزي: لا أؤمن بأعمال الدول ذات السيادة، بل بمنظمات المجتمع المدني

وختم رياشي حديثه بإبداء رأي شخصي له في المسار الذي سوف تتخذه المحكمة، فقال «المحكمة ستكمل عملها، حتى لو تخلى عنها مجلس الأمن الذي أنشأها، لأنه لم يعد لأحد صلاحية التدخل فيها. نعم، قد يوقفون التمويل، وفي هذه الحالة فقط يذهب العاملون في المحكمة إلى بيوتهم».
أما عن اللقاء الذي عُقد مع القاضي كاسيزي وممثلين عن بعض جمعيات المجتمع المدني، فإن المنظمين لم يسمحوا للإعلاميين بحضور اللقاء، بحجّة أنه مخصص فقط للمجتمع المدني، وقد استغرب الإعلاميون منعهم من طرح حضور المناقشة وطرح الأسئلة التي تهم الرأي العام، رغم أن الدعوات وجهت إلى وسائل الإعلام لحضور المؤتمر.
اكتفى كاسيزي بالتوجه إلى الإعلاميين ببضع كلمات، قال فيها «أنا لا أؤمن بأعمال الدول ذات السيادة، بل بمنظمات المجتمع المدني وغير الحكومية، التي تمارس هي ضغوطاً على الدولة».
ومما قاله كاسيزي في كلمته غير المخصصة للإعلاميين، إن الإتهام في قضية اغتيال الرئيس رفيق الحريري يمكن أن يصدر مع نهاية العام الجاري. وتطرّق كاسيزي إلى قضية توقيف الضباط الأربعة، فقال: «طلبنا من لبنان تسليمنا ملفاتهم، ثم أطلقنا سراحهم لغياب أي أدلة ضدهم».


التسييس لن يظهر إلا في النهاية

رأى رئيس لجنة مقاومة التوطين والتطبيع في نقابة المحامين، المحامي فادي بركات، أن المحكمة الخاصة بلبنان «تريد أن تُظهر صدقيتها من خلال اللقاءات التي تعقدها، نتيجة لوجود الكثير من التساؤلات حول عملها». وأضاف بركات، الذي كان مشاركاً في لقاء جمعيات المجتمع المدني مع القاضي أنطونيو كاسيزي، إن «كل ما قيل في هذا اللقاء، وسواه من اللقاءات، لا يعطينا أي شيء ملموس يثبت عدم تسييسها، ولا حتى العكس، فالنتيجة لن تظهر إلا في النهاية». ورأى بركات في حديث مع «الأخبار» أن قضية شهود الزور وتوقيف الضباط الأربعة، تمثّل نقطة ارتكاز وعدم إنجاز أي إجراء حيال ذلك «أمر حفّز البعض على الشك بأن المحكمة مسيّسة».