البقاع ــ رامح حمية

يخرج الفتى جاسم الأحمد على عجل من البوابة الرئيسية لثانوية شمسطار الرسمية، وعلى رأسه علبة من الكرتون، صارخاً بأشقائه الثلاثة: «يللا بسرعة، أنا رايح وصل هالنقلة وراجع، قبل ما يجي حدا ويسبقنا عليهم». عبارته المقتضبة وحركته السريعة وأكياس النايلون في أيدي أشقائه، توحي وكأنها عملية سرقة مدبرة. لكن، بمجرد التدقيق في المشهد، تدرك أنهم يعملون في جمع عبوات التنك، بقصد «بيعها وتأمين بعض المصاريف»، كما يقول جاسم. لا يعمل ابن السنوات العشر إلا «في المناسبات»، ولهذا لم يجد يوماً «أوفر حظاً من الأحد الماضي، فقد جمعت سبع كرتونات، وبعتها بـ21 ألف ليرة، لجاري الذي يعمل في جمع الخردة من حديد وألمينيوم».
ليس جاسم وأشقاؤه الوحيدين في تلك «المهنة»، بل أصبحت تشمل عدداً كبيراً من الأولاد وجامعي الخردة الجوّالين بسياراتهم في القرى البقاعية. فبعد انتهاء اليوم الانتخابي البلدي في البقاع، غادر المرشحون والعاملون باحات المدارس وقاعاتها التي اعتمدت كمراكز انتخابية في المنطقة. تركوا خلفهم كراتين الحصص الغذائية الفارغة وعبوات التنك، التي تعتبر مورد رزق للعديد من الأسر التي تمتهن جمع الخردة بقصد بيعها. لم تكد شمس الصباح التالي تشرق، حتى تحولت باحات مراكز الاقتراع ومحيطها... حاويات للنفايات يقصدها الأولاد وتجار الخردة، بهدف جمع ما يمكن الإفادة منه، سواء لاستعماله أو لبيعه.
محمد عبد القادر، الذي يمتهن جمع الخردة منذ سنوات، استغلّ المناسبة أيضاً. حضر إلى المدرسة في سيارته «البيك آب». ركنها قرب إحدى الحاويات على جانب الطريق، وجمع ما «يلزم». ورغم كرهه للإشكالات التي تصحب الانتخابات، إلا أنه يتمنى «لو أنها تحصل كل يوم حتى نضل نلاقي حق كسرة خبز لأولادنا». يشير إلى أنه في كثير من الأحيان يصول ويجول في القرى ولكنه يعود إلى عائلته «والإيد فاضية». لكن، هذه المرة عاد وشقيقه من مدارس غرب بعلبك بغلّة «محرزة». باعاها من «دون وسيط، وخصوصاً أنه في المنطقة التي قصدناها لا تجار خردة يحتكرون المصلحة». أما في بلدتهم التي تقع شرق زحلة، فقد بات الكثير من التجار يقدمون على «ضمان» حتى مكبات النفايات من البلديات.
رغم قسوة هذه المهنة، إلا أنها قد تكون خطوة جيدة لإعادة تصنيع بعض النفايات، بدل حرقها. وهو ما يضعنا أمام السؤال التالي: لماذا لا مكان لفرز النفايات والإفادة من المواد الزجاجية والبلاستيكية؟ إلى الآن لا جواب في انتظار طرح البلديات الجديدة مشاريعها.