كل متوفٍّ هو متبرّع. هي المرة الأولى التي تقال فيها هذه العبارة، وقد ذكرها وزير الصحة محمد خليفة، أمس، في فوروم الجمعية اللبنانية لوهب الأعضاء. لكن، متى الاقتناع بها؟


راجانا حمية
مشهدان متناقضان. شابة انتزعت حياة كانت على وشك الذبول، وشاب يتوسل حياة تكاد تجفّ. هي استطاعت أن تستبدل سنوات الألم على باب غرفة غسل الكلى بثماني ساعاتٍ أجرت في خلالها عملية زرع كلية تبرعت لها بها عائلة إحدى الواهبات. أما هو، فلم يبق له من حياة يعيشها الآن من دون جهد سوى 20%، وهي القوة الباقية في عضلة قلبه «المهترئ». لن تعود له الحياة إلا بهدية، ستأتيه في اللحظة التي تجرؤ فيها إحدى العائلات على وهب جزء من جسد ابنها، الراحل إلى غير رجعة.
أمس، كان هذا الشاب واسمه فادي، حاضراً في الفوروم الإعلامي الأول الذي نظمته الجمعية الوطنية لوهب الأعضاء في بيت الطبيب. وكانت تجلس إلى جانبه حمامة، التي بات لها من العمر وفق تأريخ «الحياة الجديدة سنتان وثلاثة أشهر وثمانية أيام». لا تتشابه مشاعرهما. الفرق شاسع بينهما. هي استعادت حياتها الطبيعية، أما هو فمنتظر إلى أجل لم يسمَّ بعد، وخصوصاً إذا ما أخذنا في الاعتبار حال عمليات وهب الأعضاء في لبنان التي لم تتعد عدد أصابع اليد الواحدة طوال السنوات الخمس الأخيرة.
5 واهبين في 5 سنوات، هل من أحدٍ يعرف كم من شاب خسر حياته خلال تلك الفترة؟ لا أحد يستطيع التكهن بالعدد، لكنهم كثر. يفارقون حياتهم ببطء. هذا مؤلم، لكن ثمة ما هو أكثر إيلاماً، هو أنه لا أحد يعرف شعور الرحيل ببطء إلا من يعيشه، والسبب واهٍ جداً، هو قلة وعي الناس بأهمية وهب الأعضاء من جهة، والتذرع بالشرع «والحلال والحرام» من جهة أخرى. لهذين السببين، أقامت الجمعية الوطنية الفوروم الأول لها بعد سلسلة الندوات، وبدأته من الإعلام لكونه الأداة الأولى للتأثير في الرأي العام وتوعيته على أهمية استيلاد حياةٍ جديدة من أخرى راحلة. لكن، ثمة سبب آخر لاختيار الإعلام، هو توعية الإعلاميين أنفسهم على أهمية الموضوع كي يحسنوا نقله إلى هذا الرأي، وهو السبب أيضاً الذي دعا المنظمين إلى اختيار «جمهور» من الإعلاميين. الهدف هو الإعلام إذاً، لكونه حلقة الوصل بين الجمعية والواهبين المفترضين. لهذا، دعت الإعلامية ماغي عون إلى تحسين أداء الإعلام من خلال «إقامة حملات منظمة لاستهداف وسائل الإعلام المختلفة وإشراك الإعلاميين في ورش عمل متخصصة بالموضوع وإنشاء شبكة من الإعلاميين المتخصصين في هذا المجال، إضافة إلى التنسيق بين وزارتي الصحة والإعلام لتخصيص مساحات أوسع لموضوع نشر التوعية على وهب الأعضاء».
لكن توعية الإعلاميين وحدها لن تكون كافية للتأثير في الرأي العام، فثمة خوف متجذّر في بعض النفوس من فكرة الوهب، ويرجع البعض السبب إلى «الحلال والحرام»، وما يقوله الدين. لهذا، حاولت الجمعية قدر الإمكان نزع هذا الخوف من خلال الإضاءة على موضوع من وجهة نظر ممثلي الطوائف والمذاهب الدينية، فعمدت إلى استضافة ممثلي خمسة مذاهب مسيحية ومسلمة: الكاثوليكية المارونية والأورثوذكسية والسنية والشيعية والموحدين الدروز... والجماعة الإسلامية وجمعية الإرشاد والإصلاح.
كان الأمر اللافت في تلك «الجمعة» أنها أزاحت الخوف جانباً، على الأقل من خلال آرائها التي أجمعت على جواز وهب الأعضاء. وإن لم نقل جميعها، فإن غالبيتها تقر بذلك، ومن يخالف، فتحت حجة أن للميت حرمة، لا أكثر ولا أقل.
لكل ممثل حضر أمس، شرحه المفصل للأسباب الموجبة أو المجيزة للوهب، لكن النتيجة واحدة، إن كانت حسب تعاليم «يسوع الرب» أو «محمد»: ليس أعظم من أن يبذل الإنسان نفسه لمن يحب.
ولئن كانت جميع الأديان تجيز الوهب من ميت إلى حيّ، وحتى من حيّ إلى حيّ، إلا أن دون ذلك بعض العقبات، وهي تختلف من مذهبٍ إلى آخر. ففي المذهب الشيعي والسُّني، على سبيل المثال، يعطي الحي للحي أحد أعضائه، إن كانت عملية النقل لا تسبب ضرراً للواهب. ويورد المذهبان بعض المحرمات، ومنها عدم «جواز نقل الخصية أو القلب والكبد...». كما الحال في الطائفة المسلمة، كذلك الشروط موجودة في الطائفة المسيحية، ومنها «موافقة الواهب والمتلقي، واستحالة الوهب قبل التأكد من الموت الدماغي، أي الوفاة». تطرح النقطة الأخيرة، تحديد الوفاة، سؤالاً عمّن يقرر «حال الموت الدماغي». هنا، تجمع معظم المذاهب على أن إعلان الموت الدماغي تقرره هيئة الأطباء، وعلى هذا الأساس يعطي المرجع الديني وثيقة الوفاة والمباشرة بنزع الأعضاء، في حال موافقة أهل المتوفى.
أزمة الدين حلّت إذا، فماذا عن الخوف؟ الجواب الدائم هو أن الوقت كفيل بإلغائه تماماً، وسعي وزير الصحة محمد جواد خليفة إلى تحويل الجمعية الوطنية لوهب الأعضاء «من مجرد جمعية تعمل بالدفع الذاتي إلى مؤسسة معنية من الدولة». ثمة مطلب آخر، قد لا يناله اللبنانيون في وقتٍ قريب، لكنه ضروري، هو أن «يصبح كل متوفى متبرعاً، إلا إذا قالت العائلة العكس».
يذكر أن الجلسة الأولى من الفوروم سلطت الضوء على موضوع وهب الأعضاء من الناحية الطبية، مع استعراض تجربة إسبانيا في هذا المجال ولبنان أيضاً، إضافة إلى شرحٍ مفصل عن بنك العيون الوطني.