أحمد محسن

ربما هم قلائل الذين يعرفون هذا الاسم. راشيل، فراشة مطحونة بجنازير البلدوزر. يبحث المرء عن لغة لائقة ليكتب موتها، فيصطدم بقسوة المشهد. إسرائيل لم تقصّر في الوصف. جعلت المشهد كلاسيكياً لكثرة تكراره في الأرواح والبيوت والأشجار. ذلك لا يعني إمكان إسكات أنين الذاكرة. الحديث ممكن دائماً عن ضراوة السائق الوحش، الذي سمع وحده حفيف ارتطام عظام راشيل بالأرض قرب المعبر. طقطقت أجزاؤها ألماً ولم يخجل العسكر الواقفون قرب المجزرة. ذاب اللحم الطري والشعر الأشقر والعينان الخضراوان في الذبذبات التي أرسلها اللاسكلي إلى قيادة أركان الجيش: تمت المهمة، صفّينا الفراشة المدافعة عن المنازل. استوى صوتها الأخير في أنياب الجرافة الضخمة. عادت إلى الضفة الأخرى، ويحسب لها تظليل مساحة أمل كافية في رؤوس الغزاويين، حيث تلقي أشباح البوسنة ودارفور وكمبوديا بثقلها على أقفاص المدنيين.
تحدثوا لاحقاً عن ترهات التحقيقات والمحاكم، ومعاقبة الفاعل. الضحية من العالم الجديد هذه المرة. لكن، كما في كل مرة، تعاملت الدول مع القاتل باعتباره طفلاً مدللاً أخطأ مجدداً. المحاكم الدولية مهزلة. سخرية مقصودة ومهينة لأثر المقتول. هل يمكن العيش مع الإسرائيلي؟ هل يصدقون ذلك؟ قطعاً لا، وإن كانت إسرائيل تغذي صورتها إعلامياً مستعينةً بأصولية المحيط، التي تبتلع يومياً ألف راشيل. هكذا، ليس صعباً علينا جميعاً الاستنتاج أن ضحايا البحر الأخيرين سيصبحون أرقاماً. محطة أخرى بعد 16 آذار 2003.
راشيل، لا تنتظر اعتذاراً من أحد. فإن توبة الثعالب ـــــ إن حدثت ـــــ لا تلغي شهوتها إلى التهام الحملان. إنها الغريزة العميقة، والتباس العيش الجَماعي بين الكائنات. ثعالب، لأن إسرائيل أجبن من أن تكون ذئباً، ولأنها مثل الثعالب تفرّ سريعاً. الذئاب حيوانات شجاعة. حتى الثعالب ستصمد بغريزتها الوجودية، لأن إسرائيل ـــــ الدولة ـــــ حيوانٌ فاشي دخيل على الطبيعة الكونية، ولا يمكنه سوى الانقراض.