تهدّد منظمة اليونسكو برفع موقع غابة أرز الرب ووادي قاديشا عن لائحة التراث العالمي بعدما تحوّل من مركز صلاة وتعبّد إلى مركز سياحي ترفيهي تافه، وبعدما تغيّر شكل وهندسة المواقع الدينية داخله جرّاء إضافة الأبنية عليها. زوّار الوادي لم يعودوا حجاجاً، بل هم طالبو تسلية وترفيه. ومالكو الوادي يغضّون النظر، بل يساهمون في المخالفات


جوان فرشخ بجالي
بدا لافتاً أن يكون أوّل من انبرى للتنبيه من تلويح منظمة اليونسكو بإزالة وادي قنوبين عن لائحة التراث العالمي، مواطنون لبنانيون «صالحون»، نظّموا عرائض على الإنترنت، وتأهّبوا لتوقيعها لكي تعمل الدولة على المحافظة على الوادي المقدس وحمايته. فيما لم يهتم أبداً بخطر هذا التلويح، بل ربما قد يكون فرح به، الذين اتخذوا من الوادي مقراً لهم، وساحوا في أرجائه وأضرموا النار للشواء فيه، وأقاموا حلقات الدبكة ومباريات سباقات الـATV على طرقاته الترابية!
فمنذ أكثر من سنتين والوادي «أرض شبه سائبة». المسؤولون عنه ومالكو أراضيه هم من تركوا الأمور تؤول الى ما هي عليه اليوم. الكلّ يقول إن الحق على الدولة، لكن الواقع أنها المرة الأولى ربما التي لا تكون الدولة فيها المذنب الأول. فهي لا يمكنها أن تعاقب في عقارات خاصة إلا بموافقة المالكين، والمخالفات في الوادي كانت تجري دوماً في ظلّ حماية الإكليروس! إنها البطريركية المارونية بنفسها من يفتك بالوادي. إنها الإرساليات المالكة للأراضي في الوادي التي تغيّر هويته يوماً بعد يوم.

المخالفات في الوادي تجري في حماية الإكليروس
فالبطريركية المارونية تسمح لشركائها ببناء منازل لهم في الوادي، أو حتى على «الشير» الصخرية المطلّة عليه. على سبيل المثال، أعطى المسؤولون عن أملاك البطريركية الإذن لأحد شركائهم ببناء منزل مطلّ على الوادي في العقار رقم 38 التابع لقرية الديمان، مخالفين بذلك أول بنود المحافظة على الوادي الذي ينص عليه تصنيف منظمة اليونسكو والذي يقضي بتأمين محيط الحماية للوادي، بمعنى أنه لا يحق لأحد إضافة أي بناء جديد للمحافظة على المنظر الطبيعي. ولكن البطريركية سمحت بهذه المخالفة الفظيعة التي ساهم في إتمامها مخافر الدرك في المنطقة بعدما تأخروا في إيقاف البناء حتى إتمام إنشاء السقف.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، ففي داخل الوادي، في العقار رقم 45 في قرية قنوبين التي تملكها البطريركية المارونية، وسكانها هم شركاء البطريركية في الأرض منذ عقود، سمحت البطريركية لشريك آخر بالبناء وتكبير منزله.
المالكون الآخرون في الوادي ليسوا أفضل حالاً. فالرهبنة الأنطونية التي تملك دير مار اليشاع في أول الوادي حوّلته، كما حوّلت المنطقة من حوله جذرياً، من خلال عمليات البناء فيه، سواء للطرقات أو عملية تكبير الدير الذي بنت له غرفاً جديدة، وباتت تحاول ربط أوصاله بالصوامع المحيطة به، علماً بأن ما تقوم به لا يعدّ ترميماً للدير، بل إضافة أبنية جديدة وتغير شامل في منظر الوادي.
الوضع ليس أفضل بكثير في دير سيدة قنوبين الذي يعدّ المعلم التاريخي الأهم في وادي قنوبين لأنه كان مركزاً للبطريركية المارونية لقرون مضت. فالراهبات اللواتي يسكنّ الدير يرمين النفايات في الوادي، ومن ثم يضرمن فيها النار!!!
أما في وادي قزحيا، فقد بني مركز لاستقبال الزوار والحجاج، بطريقة لا تتماشى أبداً مع هندسة باقي الدير، هذا إذا تجاهلنا أن تشييد الأبنية ممنوع أصلاً بشروط الإدراج على لائحة التراث العالمي لمنظمة اليونسكو. وبالإضافة إلى تشيد البناء، تقام الأعراس ويتصاعد دخان مولدات الطاقة وتصدح الموسيقى في أرجاء الوادي!

عن البلديات والسكان

يذكر أن وادي قاديشا، يتألف من واديين موازيين، ينتهيان بمزرعة النهر. الأول وادي قنوبين الذي يمتد من بشري إلى مزرعة النهر وتطل عليه أكثر من 6 قرى، والثاني وادي قزحيا الذي يمتدّ من إهدن الى مزرعة النهر، وتطلّ عليه أكثر من 3 قرى. وبما أن تلك القرى تطل على الوادي، وفي بعض الأحيان تملك مشاعات داخل الأراضي المصنفة، باتت شريكة في القرارات التي تتمحور حول حماية أو تحسين وضع قاديشا. لذا، فقد نجحت البلديات في السنين الماضية في إتمام مشاريع صغيرة تهدف الى تحسين الوضع في الوادي مثل لم النفايات، وتأمين الحراس... ولكن لا سلطة لهم على الزائرين، وهم غير مدعومين من القوى الأمنية. كما أن مشاريع إنهاء شبكات الصرف الصحي وإبعاد المياه المبتذلة عن الوادي لم تنته، مع أن الحديث عن هذا المشروع وأهميته بات عمره يزيد على عشر سنوات!
أما عن السكن في الوادي، فهو غير موجود خارج قرية قنوبين، التي تملكها المطرانية المارونية والتي كانت شبه مهجورة عندما صنّف الوادي عام 1998. ولم يكن يسكن في بيوتها القروية المبنية على ضفتي الوادي إلا عدد من كبار السن لا يتجاوز عددهم أصابع اليدين، وكان أولادهم قد تركوا القرية وسكنوا إما في القرى المطلة على الوادي أو هاجروا الى أوستراليا. لكن أبناء قنوبين الذين يحاولون اليوم السكن في الوادي لتحويله الى مركز سياحي أكثر فأكثر، يغضّون النظر عن هذه الحقيقة ويقومون بدور الضحية، مؤكدين لمراسلنا في الشمال (فريد بوفرنسيس) «أن خطة إدارة الوادي التي وضعت لا تشملهم، وهم ليسوا معنيين بها، لا بل هي تهدف إلى إخراجهم من «هذه الأرض التي لا مكان لنا في العالم غيرها، هي أرض آبائنا وأجدادنا، فإذا تركت بيتي الى أين أذهب» كما يقول أبو جوزف، صاحب أحد المطاعم المخالفة في الوادي.
والواقع أن خطة إدارة وادي قنوبين التي قدمت الى منظمة اليونسكو سنة 1998، والتي حُدّثت سنة 2007 تأخذ بعين الاعتبار واقع هؤلاء السكان وتشجع عملهم في الوادي، على أن يتم ذلك بحسب الأصول وبما يتماشى مع واقع الوادي ولا يغير في جوهره. فإدراج المواقع على لوائح التراث العالمي يهدف من ناحية إلى حمايته، ومن ناحية أخرى إلى تطويره وتأكيد تنميته الاقتصادية بحسب مبدأ التنمية المستدامة. ولو تم العمل بذلك لحصل هؤلاء السكان على التنمية الاقتصادية من دون أن يغيّروا في هوية الوادي كما يفعلون اليوم.

تفعيل الجمعية

الحل في تصنيف لبناني للوادي يتيح للدولة بسط سلطتها
ولكن للوصول الى هذا الهدف وتحسين سير خطة إدارة الوادي المقدمة الى منظمة اليونسكو، لا بد من تفعيل دور «مجموعة الحفاظ على وادي قاديشا» التي تشمل ضمن أعضائها كل رؤساء المجالس البلدية المشرفة على الوادي، وكلّ مالكي العقارات داخله. هذه الجمعية هي ضمانة المحافظة على الوادي، الذي حينما صنف سنة 1998، كان على أساس «أهميته الثقافية والدينية والطبيعية». وأتى في التعريف الذي قدم الى منظمة اليونسكو في حينها على أنه «وادي القديسيين وأن طابعه الديني سيبقى، إذ يرفض مالكو العقارات تحويله الى مركز سياحي». ولكن، أين هو الوادي اليوم من هذا التصنيف؟ إنه بعيد كل البعد، فعدد الزوار في تزايد، فيما عدد الحجاج إلى تضاؤل.
أما دور الدولة اللبنانية في الحماية فيبدو محصوراً حالياً في المراقبة لأنها أملاك خاصة، والمديرية العامة للآثار هي من يقدم التقارير عن الوضع لمنظمة اليونسكو. ولكن قد يكون الحل في تصنيف هذا الوادي لبنانياً وليس فقط عالمياً. فتصنيفه محلياً بحسب القوانين اللبنانية، سيسمح للدولة حينها بالتدخل وفرض سلطتها، وهذا ما يحدث مع المحميات الطبيعية. فماذا لو صنّف الوادي على أنه «متنزهات طبيعية خاصة» تطبق عليها قوانين شبيهة بقوانين المحميات الطبيعية، ولكن مع الفارق بأنها تسمح للسكان بالبقاء وبمزاولة مهن لا تضر بالبيئة؟ حلّ ممكن إذا توافرت الإرادة... لكن هل سيقبل مالكو العقارات في الوادي أن تتدخل الدولة وتحاول أن تبسط سلطتها عليهم أولاً؟


أرجيلة ونار

زيارة الوادي هي بمثابة مغامرة شخصية خاصة. فخلال الجولة لا تغيب عن نظرك أكوام النفايات التي تتكدس بسبب العدد الهائل للزوار وتستنزف إمكانيات اتحاد بلديات قضاء بشري المتواضعة، لجمعها بشكل دائم ومستمر. في أرجاء الوادي تجد كل ما يمكن أن تفكر فيه، باستثناء ما يمتّ الى خصائص الموقع الروحي بصلة. هناك حفلات الأكل والسكر والضجيج تقام باستمرار، بالإضافة إلى حلقات الدبكة والغناء التي تنظم في أرجائه، بدل لقاءات التأمل والصلاة وحلقات الحوار المغمورة بالتراتيل والأناشيد الروحية. كما تجد مباريات صاخبة على آخر موديلات الـA.T.V يشارك فيها هواة من الأقربين والأبعدين، بدل مسيرات الشموع والصلاة يغمرها بخور التعبد والعودة إلى الينابيع. وكأن كلّ ذلك لم يعد يكفي، حتى إن الخنازير البرية باتت تأخذ من الوادي موطناً لها، فتعيث فساداً بالأرض وبشجرها المثمر المهجور.


على فكرة

على مدخل الوادي، يلاقيك تجار الأيقونات الحديثة العهد. إنها أيقونات السياسيين اللبنانيين الخالدين. صورهم طبعت على خشب الأرز أو على صحون نحاسية وباتت تباع في وادي القديسين. أمجادهم باتت تخلد على اللوحات في الوادي بدل المسابح وكتب التاريخ والتراث الروحي والوطني. وللتأكد بأن اهتمام هؤلاء السياسيين لم يكن يوماً للوادي، يكفي رفع النظر نحو الجبال المحيطة به لرؤية مستنقعات المجارير وشلالات المياه المبتذلة وهي تنصبّ بغزارة على الوادي ملوثة الحجر والشجر والبشر. وبعد الاكتفاء بالمنظر يمكن التمتع بصوت سلاح الصيادين الذين يستغلون هذه المساحة الخضراء غير التابعة لأي قانون لقتل ما بقي فيها من الطيور.