Strong>باسم الحكيم

حين تلتقيها تكتشف أنّها تشبه صورتها في الدراما إلى حدّ بعيد. إلسي فرنيني سيدة بكل معنى الكلمة. حين تزورها في منزلها في بلدة «عينطورة المتن»، تأخذك شخصيتها وحضورها، هذا المزيج من الهدوء والأناقة. الهدوء يجعلها تبدو كأنها تعيش خارج الزمن. تدخل المطبخ وتعود بأكواب العصير، ثم تجلس لتبدأ الرواية. تستعد لمهمة تبدو الأصعب، تقول «تذكّر عمر كامل، أمر غاية في الصعوبة».
أربعة عقود مرّت منذ دخولها التلفزيون: «حملت السنون الماضية تجارب حلوة أعتزّ بها، لكني نصحت أبنائي دوماً ألّا يؤجّلوا تحقيق أحلامهم، لأن العمر يركض والحياة لا تنتظر». هي لم تحقّق طموحاتها، «شعرت يوماً بحاجة للتوجّه إلى الروحانيات، حيث وجدت سلاماً وسعادة. لم يعد هدفي تحقيق أمجاد فنيّة». مرّت السنوات، وشابة الأمس صارت اليوم «تيتا». تؤكد «لا أعاني عقدة العمر»، بل ترى أنّ «لكل مرحلة عمريّة جمالها».
صور سارة ماريا وأنا صوفيا، ابنتا يورغو من زوجته الألمانية منتشرة في كل مكان. لقد جمعت من صور الحفيدتين روزنامة العام، ووضعتها حيث لا يمكن أن تخطئها: أمام «الثلاجة». لعلّها تتمنّى لو كنّا نتحدّث عن حفيديتها، لكنّ موضوعنا الآن مشوارها في الحياة.
تروي ظروف نشأتها في الأشرفية (بيروت) في أجواء بعيدة عن الفن. «والدي وليم فرنيني، كان أستاذ رياضيات. ولأن وظيفة واحدة لا تكفي لإعالة عائلته، عمل في المحاسبة». تتحدث عن المروءة والتواضع والبساطة، كلّها صفات تردّها إلى والدها: «عائلتنا عريقة من العائلات السبع البورجوازية في بيروت، ومن ملّاكي الأراضي. ثمة شارع يحمل اسم العائلة، وقد ورث والدي هذه الصفات عن والده الذي أسس مع أصدقائه الإنجيليين «كنيسة الله» (الأشرفية) في العشرينيات، وكان يرفض مظاهر الترف لأنّ كنيسة المسيح يغلب عليها التواضع والبساطة». لم تكن حياة جدها طويلة، إذ أصيب بالملاريا وتوفي قبل أن يشيخ.
إلسي هي الابنة الصغرى لوليم فرنيني، ولديها شقيقتان هما سيلفيا وفريال (زوجة الكاتب مروان نجّار)، وشقيقها إيلي فرنيني لديه «ميول روحانية، جعلته يتجه إلى اليوغا». تشير إلى صورة وضعت على طاولة إلى جانبها «هذه صورتي مع شقيقتيّ، كنا أطفالاً».

مالت مبكّراً إلى التمثيل، لكنّها بدأت مذيعةً في «تلفزيون لبنان» لأن الأهل عارضوا دخولها الفنّ
منذ الطفولة، مالت إلسي إلى التمثيل، «كنت أمثّل في مسرحيات المدرسة الدينيّة في Christian Teaching Institute، ولفتُّ نظر المسؤولين في «تلفزيون لبنان» مع «ماما عفاف» و«الصديقة جنان»... رأى هؤلاء في الصبيّة مشروع ممثلة. كان التلفزيون خلية نحل، ديكوراته تفكّ وتركّب يومياً، وقسم من الأعمال يُصدَّر إلى الخارج. من هنا، كانوا يبحثون عن وجوه جديدة أو نجوم للمسلسلات». لكنّ رفض الأهل كان قاطعاً: لا تمثيل! اقترحت عليها إدارة التلفزيون أن تكون مذيعة ربط فقرات عام 1973. «احتجنا إلى ستة أشهر من التدريب. وعندما بدأت بالعمل، عُرضت عليّ بطولة مسلسل «مذكرات ممرضة» عام 1974 (فكرة جان كلود بولس، ونص مروان العبد وإخراج ألبير كيلو). هنا رضخ الأهل لأنّهم عرفوا أنني أعمل مع الجماعة نفسها».
تشرح عن الفترة الذهبية في حياتها، منذ دخلت التلفزيون الرسمي مطلع السبعينيات. عاشت يومها سنتين زاخرتين بالأحداث. بدأت مذيعة ثم ممثلة بل نجمة تسند إليها بطولة المسلسلات منذ أول أدوارها، فانضمت إلى نادي الممثلات الشهيرات مثل هند أبي اللمع ونهى الخطيب سعادة ومارسيل مارينا وآمال عفيش. كان العمل الأول فاتحة خير عليها. فيه، كانت النظرة والابتسامة فاللقاء ثم الزواج من جورج شلهوب في نيسان (أبريل) 1974. وزّعت وقتها بين الفن والمنزل، «صرت مسؤولة عن طفل هو يورغو، وأخذتني الحياة العائليّة ودوري كزوجة وأم».
تغيّرت إلسي مع الأيّام: «صرت أقسى وأتحمّل المسؤولية، علماً بأنني بقيت اتكاليّة طويلاً، حتّى بعد زواجي». تتذكر بداياتها كمذيعة، وتشرح بحماسة: «طلبني «تلفزيون لبنان» كممثلة، لكنّ الأهل مانعوا. لا أذكر أنني قرأت مجلة فنيّة في المنزل، لأن والدي كان يمنع دخولها». ليست إلسي «حكوجيّة»، لذا لم تقتنع بنفسها كمذيعة، واكتفت بربط الفقرات، «لا أجد نفسي محاورة في السياسة والفن، لأن شغفي بالتمثيل طغى على عملي كمذيعة. لذا قدّمت استقالتي بعد سبع سنوات، لأنني شعرت بازدواجية بين الممثلة والمذيعة».
صنعت العصر الذهي للدراما اللبنانية مع هند أبي اللمع ونهى الخطيب سعادة ومارسيل مارينا وآمال عفيش
بعد عام على الاستقالة، جُدّد التعاقد لأقل من سنة، لذا تحاسب نفسها قائلة: «لم يكن قراري حكيماً، فقد حرمت نفسي من تعويضات حصل عليها زملائي في التلفزيون. كان في إمكاني البقاء ما دمت في البلد، لم ألبّ عروض التمثيل في مصر وسوريا».
على الشاشة عاصرت الفترة الذهبية للدراما اللبنانيّة. وحضرت بقوّة على الشاشة، قبل الحرب اللبنانيّة وبعدها. والجيل القديم يتذكرها جيداً. لكن إلسي تعتذر سلفاً: «لا أتذكر أعمالي بتواريخها. السبعينيات والثمانينيات هما الأغنى. يحضرني مسلسل «ميليا» (1982) ليوسف حبشي الأشقر، كان عملاً جميلاً لم يأخذ حقه، بسبب عرضه في عز الأحداث، وهو يتناول التفرقة بين البنت والشاب في المجتمعين اللبناني والشرقي».
إثر إقفال «تلفزيون لبنان» جرّاء القصف، صارت شركات الإنتاج اللبنانيّة تسافر إلى الخارج لإنتاج أعمالها. تقول إلسي: «صوّرنا سهرات تلفزيونية في اليونان، استوحاها وجيه رضوان من الأدب العالمي. ثم مسلسل «الصمت» (1980) الذي صوّرناه في المغرب. وعدنا بمسلسل «بنت البواب» (كتابة أحمد العشي) إلى استديوهات اليونان».
لم تسع إلسي فرنيني إلى ربط اسمها بممثل معيّن مثل هند أبي اللمع وعبد المجيد مجذوب... لكنّ «الجمهور أحبني مع جورج (شلهوب)، فقدمنا معاً «رحلة العمر» لمروان نجار، ثم فيلم «شبح الماضي»، ومثّلتُ أيضاً مع أكرم الأحمر في «ميليا»، ومع عبد المجيد مجذوب في «الصمت» و«بنت البواب»، ومع غسّان أسطفان في «الوجه الضائع»، ومع محمد إبراهيم في «زوج الآنسة»، ومع علي الخليل في «بسمة التخلي»، وكذلك مع أنطوان كرباج وفادي إبراهيم وآخرين».
في مطلع التسعينيات، ابتعدت فرنيني عن الدراما، لأنّها لم تعد تجد ما يناسبها. ثم عاودت نشاطها في أعمال دراميّة مع صهرها الكاتب مروان نجّار في مجموعة «طالبين القرب». هنا، أدّت بطولة ثلاث حكايات هي «لماما»، و«حبّة مسك» مع ابنها يورغو، و«غرام عالإنترنت» مع غسّان أسطفان... ثم كانت استراحة أخرى، لتعود بعدها مع مسلسل «عصر الحريم» للكاتبة منى طايع، وحاليّاً في «فارس الأحلام». كذلك ظهرت قارئة لصفحات أدبية وشعريّة على قناة «هي». تتوقّف هنا لتنتقد ابتعاد بعض نصوصنا عن الواقع. ثم تطرح سؤالاً يحوي إجابته: «أليس في «عصر الحريم» نماذج موجودة فعلاً في مجتمعنا»؟
إلسي فرنيني الممثلة التي أسهمت في صنع ذاكرة الدراما التلفزيونيّة، تنظر إلى العضر الذهبي بشيء من الحنين: «حبذا لو استطعنا الحفاظ على ما وصلنا إليه، لكن للأسف جمّدتنا الحرب وأعادتنا خطوات إلى الوراء».


5 تواريخ

1953
الولادة في الأشرفية
(بيروت)

1973
مذيعة في «تلفزيون لبنان»

1974
أول بطولة درامية في «مذكرات ممرضة» وزواجها من الممثل جورج شلهوب

1992
ابتعدت لسنوات عن الأضواء

2010
عودتها إلى الدراما مع مسلسل «فارس الأحلام» الذي يُعرض كل أحد على lbc