يؤكد المشرفون على سرية «الفهود» أن أفرادها يمارسون دوراً يفوق طاقتهم. يحب هؤلاء «السمعة الجيدة التي يتمتع بها أصحاب الزي الكُحلي»، ويشرحون طبيعة عمل الوحدة، كرأس حربة في عمل الشرطة اليومي. يخلصون إلى أن «الفهود» هي السرية الخاصة

في وحدة القوى السيّارة. لكن، ليس كل من يلبس كُحلي... «فهداً»

أحمد محسن
الاسم مخيف بعض الشيء. يدل على القوة والسرعة والقدرة الفائقة على المباغتة. وما بعد الاسم، الصيت. صيت «الفهود» سابقٌ لحضورهم إلى مكان الحدث دائماً. لكن ثمة شائعات تحاصر الوحدة الخاصة في قوى الأمن الداخلي. وهنا، الشائعات لا تعني الهجوم على دور «الفهود» في المهمات التي تتولى الوحدة تنفيذها. بكلمات أدق، الشائعات تتلخص بالمبالغة في تقدير عدد أفراد هذه الوحدة، التي يبلغ عديدها 100 فرد فقط، كما يؤكد قائد وحدة القوى السيّارة، العميد روبير جبور. ببساطة، «الفهود» هي سرية خاصة ضمن الوحدات الأخرى في القوى السيّارة. يهمّ جبور أن يوضح أن الزي الكحلي عامةً، هو زي القوى السيّارة، وليس زي «الفهود» تحديداً. الأخيرون يحظون بزي بني خاص. لكن في السياق نفسه، يبدو التشابك في المهمات واضحاً هو الآخر، إذ «الفهود» يرافقون بعض الشخصيات، ما يتشابك مع الدور الأمني الأساسي لهم، وهو مكافحة الجرائم الهامة بوصفهم وحدة متخصصة.
لا يَخفى على أحد أن عدد رجال الأمن بالزي الكحلي الخالص تفاقم سريعاً في العاصمة، وفي المناطق الأخرى. ثمة أسباب لهذا التوسع في عمل هذه الوحدة. برأي جبور، فإن القوى السيّارة هي من أكثر الوحدات عملاً في قوى الأمن الداخلي، نتيجة طبيعة عملها كوحدة مؤازرة لجميع الوحدات الأخرى. يعني ذلك أن وحدة القوى السيّارة، إضافةً إلى أنها تمارس بعض المهمات الثابتة، كمواكبة الشخصيات الهامة والسجناء ذوي الخصوصية الأمنية، فإنها تقوم بما يعادل 12 مهمة مؤازرة يومياً، تساند فيها الوحدات الأخرى في قوى الأمن الداخلي. لكن عمل الوحدة يأتي ضمن سياق طبيعي. فالمؤسسة الأمنية (قوى الأمن الداخلي) حصلت على دور أمني متسارع الوتيرة، إبان الأحداث التي شهدها لبنان أخيراً. هكذا، يصبح ارتفاع عديد القوى السيّارة من 280 ضابطاً وعسكرياً عام 2005 إلى 3000 اليوم، أمراً مفهوماً. في هذا الإطار تحديداً، يشير إلى أن عديد القوى السيّارة بلغ حده الأقصى خلال العامين الماضيين، إذ وصل إلى 4000 عنصر، قبل أن تتخلى الوحدة عن 1000 عسكري، لمصلحة وحدات أخرى، وخاصةً وحدات الدرك الإقليمي والشرطة القضائية. وهذا الأمر، هو الآخر، يعدّه المسؤولون في الشرطة القضائية مؤازرة غير مباشرة، تضاف إلى العمليات اليومية، التي تختلط فيها الوحدات الكُحلية مع القطعات العملانية الأخرى. «الفهود» مكلفون تنفيذ العمليات المعقدة فقط. لكنهم أحياناً يأخذون على عاتقهم بعض مهمات القوى السيّارة، نتيجة حساسية الوضع الأمني.
ويؤكد العميد روبير جبور أن الوحدة كانت مهملة تماماً عام 2005. لم يكن هناك أي آليات. كان عديد العسكر قليلاً جداً. حتى ثكنة الفهود، كانت مهملة تقريباً. يصعب التصديق أن الثكنة في 2010 هي ذاتها في 2005. الصور تشير إلى عكس ذلك تماماً، رغم أن مرسوماً حكومياً صدر عام 1991، وفقاً لجبور، هو الذي قضى بإنشاء وحدة للقوى السيّارة والتركيز على وحدة متخصصة لمكافحة الجرائم الهامة (الفهود). اليوم، تتوزع الوحدات (القوى السيّارة) على خمسة مراكز أساسية في جميع المحافظات اللبنانية، فيما تحظى الثكنة في ضبية باهتمام خاص، حيث تجري فيها العروض العسكرية، ويخضع فيها «الفهود» للتدريبات القاسية. أول التدريبات هو اختبار عادي يخضع له الراغب في الانتساب إلى الفهود، هو عبارة عن مشي فوق 6 طبقات، على لوح خشبي لا يتعدى عرضه نصف متر، والأرض تحته تماماً. في الأساس، الوحدة تتطلب مجهوداً استثنائياً، وقد استعادت دورها، برأي قائدها. الوحدة وحدة رياضية بامتياز، حيث يمنع التدخين نهائياً داخل ثكنة ضبية مثلاً، ويخضع «الفهود» لدورات التخشين والرماية دورياً، فضلاً عن التدريبات العسكرية العادية. وهذا يفسر تراجع حجم المقبولين، إذ يلفت المدربون في الوحدة إلى أن نسبة المقبولين من المتقدمين للانتساب إلى الفهود هي 10% فقط. في آخر دورة تقدم 300 فرد، قُبل منهم 30 فقط. ويعوّل المدربون في فوج «الفهود» اليوم كثيراً على الإعداد الذهني اللازم للعسكري؛ لأن طبيعة الأعمال الأمنية تغيرّت؛ فإلى الرياضة والخشونة، ثمة مهمات تطلب حضوراً ذهنياً عالياً، كالحراسة والمرافقة.
روتينياً، يبلغ معدل الدوريات التي يقوم بها فوج القوى السيّارة 16 دورية يومياً، معظم هذه الدوريات يكون ليلاً. وهي دوريات منفصلة عن دوريات المؤازرة، وعن مهمات «الفهود» الخاصة، التي كان أكثرها في السجون أخيراً. حماية الشخصيات هي سبب نقص عدد القوى السيّارة، وتتولى «الفهود» هذه المهمة أحياناً. إلى ذلك، يتمركز 350 عسكرياً من هذه الوحدة على الحدود الشمالية والشرقية، بالتنسيق مع الجيش اللبناني، لحماية الحدود اللبنانية. في هذا السياق، يشير جبور إلى


في آخر دورة انتساب إلى «الفهود» تقدم 300 متبارٍ، قُبل منهم 30 فقط
أن «الفهود» تحديداً، على تنسيق مباشر مع الجيش، بل معظم عملياتها تكاد تكون مشتركة مع الجيش اللبناني. وهنا يلفت إلى حادثة هامة: مار مخايل. آنذاك، تدخّل الجيش وحيداً بثقله، وحصل ما حصل. فيلفت جبور، إلى أن القوى السيّارة بإمكاناتها الحالية قادرة على ضبط أحداث الشغب، من دون سقوط ضحايا، لأن الوحدة مدربة على استيعاب الغضب الشعبي، والتعامل معه بالطرق المناسبة، التي لا تؤدي إلى قتل المدنيين.
هذا على الصعيد الأمني ـــــ العملي، أما على الصعيد السياسي، فيشير جبور إلى أن «الفهود» هي وحدة خارج أي تجاذب سياسي، حصل، أو يحصل، في مجلس قيادة قوى الأمن الداخلي. يرى أن الوحدة الخاضعة لقيادته تلتزم بسياسة وزير الداخلية دون غيره، ولا تتأثر بالمعطيات السياسية الأخرى. أما الإنجازات المباشرة التي قامت فيها وحدات «الفهود» فغير واضحة: الوحدة تعمل في الظل برأي قائدها. فهي شاركت في اقتحام شارع المئتين الشهير، بالتنسيق مع «فرع المعلومات» ونقلت الضباط الأربعة أثناء احتجازهم، وساعدت في أحباط أعمال الشغب في القبة ورومية. برأي قائدها، إن «الفهود» هي وحدة الشرطة والتنفيذ الفوري، أي إنها لا تحتمل التخطيط والمراقبة، كبقية القطعات الأمنية. هكذا، يشبه جبور «الفهود» بالـ«S.W.A.T» الأميركية أو بالـ«R.A.I.D» الفرنسية. مجرد سرية خاصة ضمن قطعة عملانية كبيرة. لكن بسبب الضغط الأمني الكبير أخيراً، أجبر «الفهود» (رغم قلة عددهم عملياً) على القيام بأدوارٍ إضافية. وقد يكون هذا الخلط هو الذي سبّب اختزال القوى السيّارة بالفهود في نظر المواطنين العاديين، وتالياً، ولّد تعقيداً في طبيعة العمل الأمني للسرية الخاصة تحديداً.


... والأحصنة من الحلّانية

لفت العميد روبير جبور، قائد وحدة القوى السيّارة في قوى الأمن الداخلي، إلى أن جميع عتاد الوحدة التي يرأسها وآلياتها، عبارة عن تقديمات من الأميركيين، الاتحاد الأوروبي، وبعض الدوّل العربية، مشيراً إلى أن قبول هذه المساعدات هو بسبب الحاجة الماسّة إلى المعدات، وبسبب اقتناع المسؤولين في قوى الأمن الداخلي بأنها مساعدات غير مشروطة. بادرت الولايات المتحدة إلى المساعدة أولاً بترميم بعض المصفحات التي تعود إلى عام 1975. أما أثمن المساعدات حتى الآن، فهي أربع سيارات لمكافحة الشغب، قدمتها دولة الإمارات العربية المتحدة، تبلغ قيمة الواحدة منها مليون دولار أميركي، لأنها مجهزة بخراطيم مياه، ومصفحة بإتقان. كذلك فإن آخر المساعدات هي من الكتيبة الكورية بلغت قيمتها 20 ألف دولار أميركي استخدمت لشراء حواسيب ومولد كهربائي. والفنان عاصي الحلاني تبرع بدوره لوحدة «الفهود» ببعض الأحصنة، من مزرعته الخاصة، بعد إنشاء سرية خيالة في قوى الأمن الداخلي. وسارت هذه الخيول أول مرة في ماراتون بيروت الأخير، لمرافقة الراكضين.