منذ بدء الاحتلال الأميركي للعراق ووضع الآثار في بلاد الرافدين إلى تدهور سريع. فالسلطة الأميركية اعتبرت الموضوع بمثابة كماليات ولم تدرجه على لائحة أولوياتها، فما كان من الحكومات المتعاقبة إلا أن أكملت المسيرة وعاد نهب المواقع


جوان فرشخ بجالي
تعدّ السنوات الست الماضية الأسوأ بالنسبة إلى تراث العراق منذ أكثر من قرن. الحدث الأبرز كان سرقة متحف بغداد، ولكن الخبر الأسوأ كان عمليات النهب التي عرفتها المدن السومرية في جنوب العراق والتي دامت لأكثر من سنتين. في حينها، قررت الحكومة العراقية الدفاع عن تاريخ الوطن، فدربت وحدات خاصة في الشرطة على حماية المواقع وبدأ العمل على توظيف حراس جدد... لكن يبدو أن تلك كانت مجرّد أوهام وباتت الصورة اليوم أوضح. فتقول الدكتورة لمياء الجيلاني، وهي من علماء الآثار العراقيين المخضرمين، وزارت بغداد أخيراً والتقت مدير الهيئة العامة للآثار والمتاحف هناك، «إن الوضع بات أكثر سوءاً من أي وقت مضى. فالحكومة العراقية خفضت الموازنة السنوية التي تقدّمت بطلبها الهيئة العامة للآثار والمتاحف بنسبة 80%! ما يعني أن مشاريع كبيرة ألغيت، ومشاكل كبيرة أساسها مادي ستتفاقم». فالمواقع الأثرية في العراق لن تسوّر بأسلاك حديدية تساعد الحراس على إتمام مهماتهم وتمنع المتطفلين والسراق من دخولها بسهولة. ولن تصرف الأموال الضرورية على تأمين عددٍ كاف من الحراس والشرطة وتدريبهم، ما يحثّ السراق على العودة الى المدن الدفينة لنبشها وتدميرها خلال عمليات البحث عن الذهب. في بعض المواقع، لم يتأخر هؤلاء في استخدام الجرافات الكبيرة لتدمير الجدران الطينية التي يزيد عمرها على 4000 سنة بحثاً عن الذهب.
وكالعادة، محافظة ذي قار في جنوب العراق هي أكثر المناطق تعرضاً للسرقة. فموقع جوخا المعروف تاريخياً بمدينة «اما» عاصمة السومريين التي تأسست عام 2550 قبل الميلاد يتعرض لعملية محو تامة. فحفار الكنوز يعيشون هناك وينبشون أرضه صباحاً ومساءً، وبات الوضع سيئاً إلى درجة أن رئيس الوزراء العراقي تدخّل مطالباً وزارة الداخلية بإنشاء وحدة خاصة من قوات الشرطة لحماية هذه المدينة التي يزيد قطرها على 9 كيلومترات والتي عيّن لها حارسٌ واحدٌ فقط.
تحاول الحكومة إنقاذ موقع، فيما أكثر من 1200 موقع أثري مسجلة في محافظة ذي قار وحدها مهددة أو حتى تتعرض للسرقة على نحو متواصل. وخلال السنوات الماضية، وفي خطوة تهدف الى إنقاذ المواقع من براثن السراق، كانت الحكومة العراقية قد أنشأت شرطة خاصة بحماية المواقع. وعملت القوات الأميريكة والبريطانية على تدريب هذه الشرطة المتخصصة وكان ذلك بمثابة إنجاز وتأكيد على مكافحة العراق لسرقة الآثار. ولكن اليوم يقبع أفراد هذه الوحدة (التي كان مفترض ان يصل عددها الى 5000 ولكن لم يوظف إلا 105) في مكاتبهم في المحافظات ولا يستطيعون التوجه إلى المواقع لعدم توافر المال لدفع تكلفة وقود السيارات! فقد تحوّل أعضاء هذه القوة الخاصة إلى حمل ثقيل على كاهل الهيئة العامة للآثار.
هذا بالنسبة إلى المواقع المدفونة تحت الأرض والتي تنتظر الحفريات، ولكن تقول الدكتورة الجيلاني إن «الوضع في المعالم الأثرية ليس أفضل. وترفع الجيلاني الصوت لإنقاذ هذه الآثار، كاشفة أن «موقع المدائن، الذي يُعدّ من أهم المعالم الأثرية في العراق والعالم، حيث شيّد الإمبرطور الفارسي كسرى أنوشروان قصره المعروف بإيوان كسرى والذي يحوي أعلى وأكبر قوس مبني من الطين في العالم، في خطر وليس هناك تمويل لترميمه، فيما جدرانه المبنية من الطين باتت متصدعة جداً وتتفتت شيئاً فشيئاً. والمنارة الحدباء في الموصل، وهي برج بيزا العالم العربي، لن يكون هناك أي عملية تدعيم لتفادي انهيارها، مع العلم بأن أساساتها باتت ضعيفة. وفي وسط بغداد التاريخي تقبع القشلة، وهي المبنى الإداري لبغداد أيام السلطنة العثمانية، وقبتها مهددة بالانهيار التام على أثر الفجوة التي تزداد اتساعاً كل يوم».
المؤسف في وضع الآثار في العراق هو أن بلاد الرافدين تطرح نفسها كإحدى المحطات الأساسية للسياحة في الشرق الأوسط. وتروج الدولة العراقية الحالية لنفسها على هذا الأساس، ولكن في آن واحد تقطع كل التمويلات لترميم أكبر المواقع الأثرية الفريدة من نوعها. والمؤسف أيضاً أن السلطات العراقية لم تتأخر يوماً في التأكيد أن القوات الأميركية تدمر آثارها وتفتك بتاريخها، لكنها تتغاضى الآن عن الواقع.
تجدر الإشارة الى أن علم الآثار عرف في العراق في فترة حكم صدام حسين عصراً ذهبياً. فصدام كان يعشق التاريخ وأراد ان يعيد للعراق أمجاده الغابرة وينعش حضارات ما بين النهرين. فأعطيت الهيئة العامة للآثار ميزانية وزارة مستقلة! واجتاحت البعثات الأثرية الأجنبية والعراقية المدن المغمورة بالتراب لكشفها ودرسها، وتتالت بعثات الترميم على أكبر المواقع، وكان بيع القطع الأثرية ممنوعاً وعقوبة التهريب هي الإعدام. ولكن مع الحصار بدأت الاوضاع تتدهور وتسوء بسرعة. ورأى الخبراء أنها وصلت إلى القعر حينما نهب متحف بغداد، ويبدو أن ذلك ليس القعر بعد. فالأسوأ آت إذا لم تتصرف الدولة العراقية.