لم يكتف التغير المناخي بتكبيد المزارع البقاعي أكبر الخسائر، بعدما قضى على مواسمه الزراعية، بل أربك أيضاً ربات المنازل، حيث سلب منهن عدداً من أصناف المونة الشتوية التي يعتمدن عليها شتاءً في الطبخ والضيافة


البقاع ــ رامح حمية
درجت العادة كل عام، وفي مثل هذا الوقت من السنة وحتى نهاية شهر أيلول، أن تتحوّل البيوتات البقاعية إلى ما هو أشبه بخلايا نحل، تتسابق فيها النسوة في إعداد المونة، استعداداً لفصل بارد قاس، لا تنفع فيه إلا المونة الغنية والدسمة. فالأصناف المتنوعة تتطلب جهداً، فيما بعض النسوة يسعين إلى أن إبراز مهاراتهن «وتفننهن» في إعداد كل ما هو فريد ومميز، وهو ما ينسحب أيضاً على نسوة التعاونيات الزراعية، اللواتي يطمحن إلى طرح كل ما يميزهن عن غيرهن من تعاونيات أخرى في الأسواق. لكن ما لم يكن في الحسبان بالنسبة للجميع، ذلك التغير المناخي الذي ضرب بقوة هذا العام محاصيل المزارعين في البقاع، مخلّفاً وراءه مئات البساتين والحقول بدون إنتاج: فلا كرز ولا مشمش. حتى القمح، وهو الذي يعتبر المصدر الرئيسي لعدد من أنواع المونة، بدءاً من برغل الكشك والكبة، وصولاً إلى البرغل الأبيض الخشن، ضُرِب موسمه هذا العام. فحقول القمح في البقاع «فتكت بها الأمراض (الصدأ الأصفر ــــ الرهّوب)، بعدما ضربتها موجة من الصقيع قبل نضوجها»، كما يؤكد المهندس الزراعي علي الموسوي، الذي أشار أيضاً إلى أن «السنابل التي نجحت في التملص من الأمراض، لم تسلم من فأر الحقل الذي تكاثر كثيراً بسبب غياب الثلوج والجليد هذا العام، لتتقلص بعدها كميات الإنتاج تقلّصاً لافتاً». وأضاف الموسوي أن لا إنتاج لهذا العام من الكرز والمشمش، وخاصة في القرى والبلدات التي يعوّل عليها في إنتاج هذين النوعين من الفاكهة.
وعليه، فالمشكلة أطاحت مواسم المزارعين لتلحق بهم خسائر فادحة، لكن الأمر لم يقتصر عليهم فقط، بل امتد ليطال كل منزل، ولتدرك ربات المنازل وأعضاء الجمعيات والتعاونيات الزراعية، أن مونتهن لهذا العام ستكون ناقصة بالتأكيد. فاطمة حمية، إحدى ربات المنازل، كانت تعتمد سابقاً في إعداد مونتها من الكشك على ما ينتجه حقلهم من قمح، أما اليوم «فالموسم انضرب وأكله الفار، وهو ما يرتب علينا التفتيش عن مصدر للقمح الجيد والمناسب». تشير إلى الصعوبة التي تواجهها في توفير كمية «مدّين» من القمح، التي تحتاج إليها لإعداد الكشك، وخاصة أنها «لا ترتاح» للبرغل المجروش الموجود في السوق، خوفاً من الغش يطاله. من جهتها، اعتبرت فهيمة عساف أن «المونة ناقصة ونص». كيف لا، وأهم أصناف المربيات وفي مقدمها الكرز والمشمش غير متوافرة على «رفوف» المونة هذا العام، لندرتهما في السوق. كذلك، تشير إلى أنها لم تقدم حتى اليوم على إعداد الكشك، بانتظار أيلول، ويعود ذلك إلى أن حليب المواشي في فترة «المربعانية»، أي الآن، يخلو من الدسم، بالنظر إلى الجو الحار، وإقدام «الطرش» على الشرب، وهو ما يؤدي إلى زيادة نسبة المياه في الحليب.
وإذا كانت ربات المنازل قد استشعرن بالنقص في أصناف المونة، فإن سيدات الجمعيات التعاونية اللواتي يتسابقن في إعداد مونة مميزة وإنتاجها، قد أيقنّ بدورهن أن المشكلة لوحظت قبل البدء بإعداد المونة، لكونهن على تواصل مع المزارعين البقاعيين، ويحجزن من عندهم الكميات التي يحتجن إليها. ناريمان الرفاعي، رئيسة جمعية الأنامل الذهبية ــــ بعلبك، أكدت أن «عدد أصناف المونة الشتوية التي اعتدنا إنتاجها سنوياً قد انخفض بسبب عدم توافر المواد الأولية لها، وذلك بفعل التغير المناخي الذي ألحق بزراعات البقاع أضراراً كبيرة. ومن الأصناف التي لم تتمكن الجمعية من إنتاجها هذا الموسم المربيات، وخاصة مربى المشمش بنوعيه «الذهبي ــــ الفرنساوي»، و«المخّه بعبه». تشرح الرفاعي «يعتبر النوع الأول، الخاص بمربى المشمش الشقف، مفقوداً هذا العام عند المزارعين في بعلبك، وقد طرحَت منه كمية قليلة جداً في السوق ولكنه لم يكن بالمواصفات التي نطلبها، لذلك لم نقدم على إعداد هذا النوع من المربيات المرغوب جداً»، وتتابع: «أما النوع الثاني، الذي يزرع في قرى نحلة واليمونة، ويتميز بمزة حامض، ويطلق عليه المزارعون في بعلبك مشمش أم حسين، فقد توافرت منه كمية قليلة جداً، سرعان ما طارت من السوق».
بدورها، توضح فاطمة الحجي، العضو في جمعية زادت الخيرات ــــ بدنايل، أنها وزميلاتها في الجمعية يسعون دائماً للحصول على المواد الأولية الزراعية في مواسمها، حرصاً على «إنتاج ما هو طبيعي ومميز»، مشيرة إلى أن مربى الكرز هو من الأصناف التي لم يتمكّن من إعدادها، وخاصة أن النوعية التي طُرحَت في الأسواق لم تكن من صنف «قوس قزح» أو «الأسود» اللذين يصلحان لهذا النوع من المربى.