الإضراب مستمر في المستشفى الإسلامي في طرابلس، بعدما اعتدى مرافقو جريح على قسم الطوارئ، كسروا محتوياته ووجهوا تهديدات للطاقم الطبي. الاعتداءات على المستشفى تتكرّر منذ 4 شهور، والقوى الأمنية لم توفّر الحماية بعد


عبد الكافي الصمد
عقب انتهاء مباراة المنتخبين الألماني والأرجنتيني في كرة القدم نهاية الأسبوع الماضي ضمن بطولة كأس العالم، حصل «تزريك» بين مناصري الفريقين في مدينة الميناء، تبعه تلاسن وتضارب وصولاً إلى استخدام السكاكين التي أصيب بها أحدهم في خاصرته، فنُقل إلى المستشفى الإسلامي الخيري في طرابلس للمعالجة.
هذه الحادثة ليست الأولى التي تقع بين مشجعي منتخبات المونديال، ولا الوحيدة التي تقع في أحياء طرابلس الشعبية والفقيرة ومناطق الجوار ، حيث يُنقل الشبان المشاركون في الإشكالات مضرّجين بالدماء إلى أحد مستشفيات المدينة للمعالجة، وغالباً ما يكون المستشفى الإسلامي هو المضيف الرئيسي.
منذ أربعة شهور تقريباً، تتكرّر الاعتداءات على الطاقم الطبي والتمريضي في المستشفى، وقد تتحوّل غرفة الطوارئ إلى ما يشبه ساحة مبارزة لاستعراض بعض «القبضايات» عضلاتهم، ما دفع العاملين في هذا القسم إلى الإضراب حتى إيجاد حلول تضع حداً لهذه التعديات.
الاعتداء الأخير على المستشفى هو الأخطر، العاملون في قسم الطوارئ من أطباء وممرضين وإداريين أعلنوا إضراباً مفتوحاً، ويشير بعضهم إلى أنه «في الأشهر الأربعة الأخيرة ازدادت الأعمال العدائية ضدنا، ونُهدَّد إن لم نسعف جريحاً ما فوراً، أو إن لم نؤمن له غرفة».
يشرح هؤلاء ما حصل أواخر الأسبوع الماضي، حيث «وصل إلى المستشفى حينها أربعة أشخاص مصابين بطعنات بالسكاكين نتيجة خلافات نشبت بينهم بعد المباراة، أحدهم كانت حالته خطرة، وعندما أخبرنا من كانوا برفقته أن غرفة العمليات مجهزة لإجراء عملية لزرع كلية لمريض آخر، بدأوا رفع أصواتهم وكيل الشتائم، ثم اقتحموا غرف الإدارة وعملوا فيها تكسيراً وتخريباً، وأدخلوا مريضهم إلى غرفة العمليات، بعدم حملوا الطبيب الجراح وطبيب البنج عنوة، وقد أجريت العملية في حضور أكثر من 15 شخصاً منهم!».
أُقفل القسم وأوقف استقبال المرضى إلى حين «ردع الزعران عنا» و«احتجاجاً على اعتداءات الغوغائيين»، حسب لافتات وملصقات رفعت عند مداخل المستشفى، الذي كان العاملون فيه أمس يصلحون أضرار المعتدين، من أبواب وطاولات وزجاج وكراسيّ ومعدات تكسرت بأيديهم وأرجلهم، وعصيّ وبنادق وأسلحة حربية كانوا يتسلحون بها، حسب وصف بعض الموظفين، الذين لفتوا إلى أنه «لم يتعرض أي موظف لأذى جسدي»، لكن أحدهم أوضح بسخرية ومرارة: «اقتصر الأمر على شتائم وضربات بأعقاب البنادق، وكفين على الماشي!».
مديرة المستشفى مهى قرق كانت أكدت «استمرار الإضراب والاعتصام داخل المستشفى، والتوقف عن استقبال المرضى والحالات الطارئة حتى إيجاد الحلول التي تحمي الأطباء والعاملين في المستشفى»، وقالت لـ«الأخبار» إن المستشفى «يتعرّض لتعديات غير مقبولة ومبالغ فيها ولا نعرف سببها، ما جعل الطاقم الطبي والتمريضي والإداري يشعر بقلق كبير، لأن التعديات تحصل من غير أن تستطيع الأجهزة الأمنية إيقافها وردعها، ما يجعل المستشفى يبدو عند كل حادثة مكسر عصا أو فشة الخلق، وليس هناك من يحمينا».
كشفت قرق أنه «أيام الحرب لم نشهد ما حصل أخيراً»، مبدية حرصها على عدم إغلاق قسم الطوارئ لأنه «شريان صحي وحيوي للتواصل بين أهلنا ومجتمعنا وبالعكس، لكن يجب أن يقدر أهلنا أن الممرض والطبيب لا يستطيعان العمل في هذه الأجواء»، مطالبة المعنيين بالأمن في وزارتي الداخلية والصحة بأن «يجدوا حلولاً حتى نقدر نشتغل».
تشير قرق إلى أهمية المستشفى الذي يطلق عليه في طرابلس اسم «مستشفى الفقراء»، فتوضح أنه «يستقبل من ليس عنده ضمان صحي أو معيل، أو لا يملك جنسية أو سجله العدلي غير نظيف؛ نحن نقوم بواجبنا، لكن المشكلة أصبحت في تأمين سلامة موظفينا، خصوصاً أننا بتنا نتعرض لتهديدات شفهية بالقتل من شبان يأتون برفقة المصاب، ويكون أغلبهم مدمني مخدرات أو حبوب هلوسة أو خارجين عن القانون».
كذلك تشير قرق إلى أن عناصر الأمن الخاصين المكلفين حماية المستشفى «لا يستطيعون مواجهة هذه المشاكل، لأنه عندما يأتي بين 20 و30 شخصاً مع المصاب، يكونون مسلحين بالعصي والسكاكين والأسلحة الحربية، ولا تستطيع القوى الأمنية مواجهتهم، فكيف سيواجههم عناصر الحماية الخاصة الذين لا يحملون أي سلاح حتى لو كان عصا؟».
قرق أوضحت أن «بعض الجهات الأمنية وعدتنا بإيجاد حلول»، لكنها لفتت إلى أن الموظفين «مصرّون على أن يتابعوا إضرابهم إلى حين إيجاد حلول جذرية لهذه المشكلة، بما يضمن سلامتهم جسدياً ونفسياً وعملياً».