جمال جبران

وقعت أمل الباشا في غرام إسطنبول، ولمّا تتجاوز السابعة. على مدخل السينما، أغراها ملصق فيلم «غرام في إسطنبول» (1966) مع دريد لحام، وهي عائدة من المدرسة، فدخلت الصالة... لكنّها دفعت ثمن ذلك غالياً. فور خروجها منتشيةً، وقد استراح بالها لمصير البطلة اليتيمة التي عثرت أخيراً على الشاب المحب، وجدت نفسها وقد تحوّلت إلى طفلة مفقودة، الجميع يبحثون عنها. في البيت، كان ينتظرها حكم مبرم: ارتداء النقاب، والتوقف عن اللعب مع الأطفال، والآتي أعظم... تتوقف رئيسة «منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان» عن الحكي، لتدخل في نوبة ضحك. كأنّ الذكريات تمنحها، ولو بأثر رجعي، فسحة للسخرية من القدر الذي كانت ستقيم فيه حتى نهاية أيامها.
في الموعد المحدد، كانت تنتظرنا في مكتبها في المنتدى. سروال أسود، وقميص من اللون ذاته، وشعر طليق مسرّح بعناية، وماكياج صباحي خفيف. تبدو أناقة المكان واضحة، رغم سمة التقشف البارزة في ديكوره. «أشعر بشيء ما يتحرك في رأسي على الدوام ـــــ تقول ـــــ طالباً مني عدم التوقف عن الحركة والبحث. اليوم الذي لا أجد فيه إضافةً، أعتبره هزيمة شخصية».
كان والد أمل ابن أسرة من الأشراف في مدينة تعز (جنوب صنعاء)، يتمتع بنفوذ وسلطة. عندما قرر إلباس طفلته الوحيدة النقاب «حمايةً لشرف العائلة»، خرج من البيت الكبير، ليعود ليلاً حاملاً الحلوى والمكسّرات. في تلك اللحظة، عرفت أمل ابنة السابعة، أنّها أصبحت زوجة، وما عليها سوى انتظار اكتمال بلوغها، كي تذهب إلى بيت بعلها.
الأم، قليلة الحيلة، اكتفت بالبكاء. بكت يومين ثمّ توقفت. لكنّ الأسئلة لم تتوقف في رأس الزوجة الصغيرة. «لم أكن أعي تماماً حقيقة ما صرت إليه. كلّ ما كان يشغلني يومها، كان كيفية مواجهة حالة النبذ بين صديقاتي الصغيرات، وهن يقلن: لا تقتربي منا، أنتِ متزوجة». تفتّح وعيها تدريجاً على حجم الكارثة التي حلّت بها مع استمرار ذهابها إلى المدرسة.
بعد أربعة أعوام، وإثر وفاة الأب الحاكم بأمره، والمشاكل بين أسرتها وأسرة زوج المستقبل، وجدت وحدها النهاية المناسبة. صادفت وهي عائدة من المدرسة قاضي الأسرة، وكان هو نفسه من زوّجها. «قلت يا عمّ، طلقني من زوجي!» رد عليها طالباً تكرار ما قالته، ففعلت، ليتمّ الطلاق في الشارع، كأوّل حالة خلع تحدث بهذه الطريقة الفريدة. «رغم طرافة هذه الحادثة بمقياس اليوم، فإنّها كانت حدثاً فاصلاً في حياتي». لم تدم فترة الحريّة طويلاً. في السادسة عشرة، وجدت نفسها زوجة للمرة ثانية. انتهى هذا الزواج سريعاً. مجرد أيام قليلة، لكنّها كانت كافية كي تصبح أمل أماً لطفلها الأول. «حدث كل شيء بسرعة، ولم أستطع إيجاد تفسير له حتى اليوم». نقطة فاصلة ثانية، تقرر بعدها أنها لن تتوقف، ولن تنظر إلى الوراء أبداً.
أنهت الثانوية العامة بتفوق على مستوى الجمهورية، لتنتقل إلى صنعاء لدراسة الاقتصاد. في بداية السنة الدراسية الثانية، وقعت إعلاناً عن منح دراسية تقدّمها «الجامعة الأميركية في القاهرة». لم تجد صعوبة في الحصول على واحدة منها، بحكم تفوّقها. هكذا انتقلت إلى «النور الكامل». حياة أخرى شُرِّعت أمامها. انضمّت إلى جمعية «تضامن المرأة العربية»، لتصير رفيقة نوال السعداوي، كما انخرطت في نشاط يضم طلاباً من اليمنين حينذاك، الشمالي والجنوبي، في رابطة واحدة. عرّضها هذا النشاط للتهديد بإيقاف منحتها المالية، إضافةً إلى تلقيها رسائل تتوعدها بمصير أسود فور عودتها إلى الوطن: خَطف ابنها، وسجنها، واغتصابها، وحلق شعر رأسها... مع ذلك، أكملت دراستها ونشاطها، ولم تكترث لكلّ الترهيب. لاحقاً، انتقلت إلى المملكة المتحدة، لتحصل على ماجستير في تنمية النوع الاجتماعي من «معهد الدراسات التنموية».
عادت من لندن، ترأست «منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان» الذي يتجاوز الشأن النسوي، ليلامس قضايا حريّة الرأي، ومناصرة الصحافيين المعتقلين أو المخفيين قسرياً، إضافةً إلى إنشاء منظمة «سلام» لمناهضة الحرب في صعدة. جملة قضايا وضعت المنتدى ومديرته في الخانة السوداء، وفي لائحة المنظمات المغضوب عليها رسمياً، والمستهدفة من حزب «الإصلاح» الأصولي المعارض، الذي أطلق ضدها دعاوى تكفير وهدر دم. «أولئك يتّهمونني بالعمالة لإيران، وهؤلاء يتهمونني بالعمل مع الموساد. كيف يمكن أن تستقيم هذه المسألة؟»، تقول مستغربة.
كل هذا الضغط لا يمكن مقارنته، بما تعرَّضت له بعد تبني المنتدى للخط الساخن، أي برنامج الحماية القانونية للنساء والأطفال من ضحايا العنف الجنسي والجسدي. «تغيرت حياتي بعد هذا المشروع. إذ تلقّى المنتدى تهديدات بنسفه، ودفن العاملين فيه تحت الركام» تخبرنا.
من خلال فريق خاص، يستقبل «الشقائق» مكالمات هاتفية من ضحايا اعتداءات جنسية داخل الأسرة. «استقبلنا حالات لا يمكن لعقل أن يتصوّرها من اغتصاب محارم، وليس زنى محارم، كما يشاع». لكن في الغالب، يفشل المنتدى في تقديم الجناة إلى القضاء، بسبب فساد النيابة، أو بعد تدخلات قبلية تقترح الصلح والحل على طريقتها.
تضحك أمل عندما يناديها أحدهم بلقب: مناضلة. تعتقد أن هذه المفردة أُفرغت من معناها. ترى أنّها امرأة لا أكثر ولا أقلّ. امرأة ترغب في عيش حياتها بكرامة، وبرأس مرفوع. فخورة بما أنجزت، لكنّ كل الميداليات التي نالتها على مستوى العالم «لا تساوي شيئاً أمام نجاحي في الانتصار للضحايا». تتوقف عند حالة واحدة لا تقوى على نسيانها. إنّها قصّة القاصر حافظ إبراهيم، الذي حُكم عليه بالإعدام في قضية قتل عن طريق الخطأ. «كان يبعث إليّ برسائل على جوّالي من داخل السجن، مستخدماً هاتف أحد الحراس، قائلاً: دمي أمانة في عنقك يا ماما أمل». قاد المنتدى تحركاً واسعاً على نطاق عالمي، نجح فيه بإيقاف الحكم قبل تنفيذه بيومين. وصل حافظ الآن إلى سنته الأخيرة في كلية الحقوق. «يتصل بي بين فترة وأخرى مكرراً وعده بأنّه سيعمل جاهداً على منع حبس أي مظلوم ولو ليلة واحدة»، تختم أمل الباشا.



5 تواريخ

1962
الولادة في تعز (اليمن)

1982
الخروج الأوّل من اليمن، للالتحاق بـ«الجامعة الأميركية في القاهرة»

1997
حازت لقب الأم المثالية على مستوى الجمهورية من «اتحاد نساء اليمن». وبعدها بعامين أسّست «منتدى الشقائق العربي لحقوق الإنسان»

2005
محررة في مشروع «بيت الحرية» لكتابة تقرير عن حقوق النساء في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا

2010
منتدى «الشقائق» حصل على العضوية الكاملة في الفدرالية الدولية لحقوق الإنسان FIDH في باريس