عمر نشّابة

العدالة الدولية قابلة دائماً للتسويات السياسية. هذا ما لم يتنبه له الرئيس سعد الحريري. أو بعبارات أكثر دقة، هذا ما لم ينبهه إليه أحد من مستشاريه وأصدقائه وحلفائه. الرجل الذي ما زال يتألم من جريمة أدت الى استشهاد والده في 14 شباط 2005، وجد نفسه فجأة أمام الموقف الأصعب. فالمحكمة التي دُفع إلى المطالبة بها قد تؤدي الى كارثة أكثر ضرراً وإيلاماً من جريمة 14 شباط. محكمة قد تستهدف آخر الصامدين بوجه من يحتلّ فلسطين ويذلّ العرب ويغتصب أعراضهم. محكمة قد تتجرّأ، بحجّّة العدالة، ومن خلال استغلال العواطف والعصبيات المذهبية، على محاولة ضرب المقاومة. لكن بدل أن يُنصح الرئيس الحريري بمراجعة بعض الحسابات قبل فوات الأوان، يحوم حوله أشخاص يهمسون بأذنيه: «لو لم يكن أشخاص من حزب الله ضالعين بجريمة اغتيال والدك، لما تصرّفوا كما يتصرّفون» ويكرّرون رداً على نصيحة رفض أي قرار اتهامي يستهدف المقاومة «يريدونك أن تبيع دم والدك فلا ترضخ لهم». ويقترب آخرون منه ليرشدوه الى طريق الشام أو الرياض أو طهران للاستقواء بالخارج على الداخل. «لا تخف، إن نصر الله سيرضخ لما يريده السوريون مثلما يرضخ السوريون لما يُتفق عليه في الرياض والقاهرة بفضل الضغوط الأميركية».
لم يفهم الشاب الصيداوي حقيقة العلاقة بين دمشق والضاحية كما لم يفهم طبيعة العلاقة بين باريس وتل أبيب وبين واشنطن وتل أبيب وبين القاهرة وتل أبيب. لكن قبل كلّ ذلك لم يفهم الرئيس الضحية أن في لبنان مئات آلاف الشبان والشابات قرّروا المضي في مقاومة الظلم الاسرائيلي الى أبعد الحدود. لم يفهم أن حزب الله لم يُبن ويُجهز لقتال عصابة في زاروب أو ميليشيا في حارة. بل إن حزب الله جيش صُنع ليردّ أحد أكبر جيوش العالم وأكثرها تطوّراً.
سقط الرئيس سعد الحريري ضحية زواريب لاهاي. فلم يكن الى جانبه شخص واحد ينبهّه من سمّ مطبخ الأمم.
سقط الرئيس سعد الحريري ولم يبق له اليوم سوى يد واحدة يمكن أن تنصره. هي اليد التي كانت تنتظر نصرته. لم يبق سوى القدس. وحدها. القدس والطريق الى القدس الشريف وحدها طريق خروج الحريري ومن معه الى نور الحقيقة.